وبعد القراءة في كتاب حضرموت..

هاني مسهور

مدهشة للغاية دعوة الطيف الحضرمي للقراءة في كتاب حضرموت، فمنذ عهد رائد حركة التنوير السلطان صالح بن غالب القعيطي في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين لم يدع حاكم لبلاد الأحقاف دعوة مماثلة لتلك الدعوة الصادرة عن المحافظ مبخوت بن ماضي التي وجهها للناس في لحظة قاتمه للغاية بأن يعودوا لقراءة كتابهم وما فيه من العبر والدروس الواجب استحضارها لاستيعاب المرحلة وما يمكن الذهاب إليه. وبالعودة للدعوة، ففي الكتاب حكايات وأساطير من قوم عاد الأولى وإرم ذات العماد ومسند الحرف العربي الأول ومروراً بالممالك العظيمة والسلطنات الجليلة ووصولاً لمهد الحكاية الأولى.

فبعد أن وضعت حروب القبائل الحضرمية أوزارها، وأسست ركن الزاوية المتين بصلح القبائل في 1934، ظهر رجل رشيد في «سيئون» هو عمر سالم باعباد الذي وضع البذرة للدولة الوطنية الحديثة، وكتب أول دستور وطني في شبه الجزيرة العربية حالماً بأن تتكلل مساعي النخبة الثقافية في توحيد السلطنات الحضرمية، وأعاد محدداً الخارطة السياسية الأولى، على أن تمتد من عدن وحتى المهرة حالياً وآن ذاك ظفار، كانت تلك الخارطة هي البداية لكل ما جاء بعد ذلك من فشل في توحيد السلطنات وعجز النخبة من تقريب وجهات النظر السياسية للتنافس المحتدم بين المشيخات والسلطنات آنذاك.

بانتقال رجل القانون الفذ شيخان الحبشي إلى مستعمرة عدن، انطلقت واقعياً الحركة الوطنية السياسية، وتأسست رابطة الجنوب العربي وكان للبارع محمد علي الجفري مع مجموعة الرواد من النخب الفكرية الفضل الحقيقي في تحويل الأفكار لمشروع وطني حالم بانتزاع استقلال جغرافية هذه البلاد المرسومة بدستورها الأول والمستندة على المدرسة المذهبية الحضرمية ذات التأثير الواسع في العالم. كادت الرابطة أن تحصل على الاستقلال، بل أنها تسلمت وعد الجلاء الذي نجحت الجبهة القومية وهي التيار الصاعد آنذاك بدعم الزعيم جمال عبدالناصر، وهي التي امتلكت السلطة السياسية.

لم تتغير الخارطة، بل ظلت كما هي على اعتبارها «الوديعة» التاريخية التي نشأت وتمددت من «سيئون» وتحولت إلى أفكار وحركة وطنية بنشأتها الحضرمية، ما تلا ذلك لم تكن هذه البلاد غير ضحية لثلة متحمسة جرفها التيار القومي وتسللت إليها «اليمننة» والتي حرفت المسار وغيرت الاتجاه، وضللت البلاد وشردت الناس باعتبارها دخلت في خصومة مباشرة في نواة الهوية، فكان من الخطأ الجسيم تسمية البلاد باليمن الجنوبية، فهذه الأرض والشعب يمتلكون هوية حضارية أعمق من الهوية اليمنية. وبفقدان الهوية فقدت البلاد كل شيء في الواقع، وسقطت سقوطاً دفعت وتدفع ثمنه حتى اللحظة التي نعيد فيها قراءة الكتاب الحضرمي.

في 30 نوفمبر 1967 تحقق الاستقلال، غير أن البلاد سقطت في الفخ ووقعت الخطيئة الكبيرة وانحرفت البلاد، ليس لأن الرفاق اختاروا اليسار الماركسي، بل لأنهم وقعوا في «يمننة حضرموت» فحدثت من بعدها المأساة. ومهما كان ما جاء بعد الاستقلال الأول، فهو لا ينتقص من حقيقة الدولة ككيان وطني شارك فيه الحضرمي، كما اليافعي والشبواني والأبيني والمهري والضالعي والعدني، فالكل كان شريكاً في دولة واحدة انتهت في مايو 1990، وكان على الكل أن يدفعوا ثمن الخطيئة. فكان احتلال اليمن للبلاد الحضرمية بامتدادها المرسوم في دستورها الأول هو الوجع الذي تقاسمه الوطن والمهجر.

القراءة في كتاب حضرموت عبرة وعظة مفادها أن المعركة الحقيقية هي معركة هوية، وأن بعث الهوية الحضرمية من مرقدها كان فعلاً جديراً بأن يستكمل الطريق إلى الاستقلال الثاني. فالفرصة مواتية، والحراك الجنوبي خرج من انتفاضة المكلا في 1997. وعلى تراب عدن سكب الشعب كل الشعب دمه شرفاً وكرامة تحت راية الاستقلال الأول، فالملاحم لا يمكن اجتيازها عند لحظة القراءة، باستيعاب لماهية حضرموت. وما هي عدن في العقيدة الوطنية التي لم تنكسر وتنهزم يوماً وظلت الأجيال كما هو جيل النشأة ينظر إليها كقبلة وطنية في وطن يمتد على حدود بحر العرب من باب المندب إلى المهرة.

صحيفة الاتحاد