الباحث عبدالله صالح حداد كوكب الشحر الوقَّاد

د. علي صالح الخلاقي

سررتُ أيِّما سرور، وملأ قلبي الجذل والحبور لتكريم صديقي الباحث المشهور، عبدالله صالح حداد، ابن المبروكة (سعاد) وكوكبها الوقَّاد، الذي “لا مثيل له بالبلاد”، حسب وصف صديقنا الأديب اللبيب د.سعيد الجريري، الذي يعتبره “ثالث ثلاثة شحريين، لا يدور حديث عن الأدب والثقافة الشعبية الحضرمية، أو يُجرَى بحث عن موضوع متصل، إلا تبادر إلى الذهن أحدهم أو ثلاثتهم معاً، بما لكل منهم من صفات جامعة وأخرى خاصة، ويعني الأساتذة: محمد عبدالقادر بامطرف، عبدالرحمن عبدالكريم الملاحي، وعبدالله صالح حداد”.
جاء التكريم بمبادرة كريمة من قبل اتحاد أدباء الجنوب في حضرموت، وهي لفتة طيبة من الاتحاد الوليد يُشكر عليها، ونتمنى أن تكون لفت انتباه وفاتحة لتكريم أكبر من قبل الجهات الرسمية في محافظة حضرموت ووزارة الثقافة، التي يفترض أن تكون السباقة والمبادر الأول لتكريم يليق بمقام ومكانة هذا المجاهد والمحارب في ساحات التاريخ والتراث الحضرمي الذي يطوي قريباً، وتحديداً في 27 ابريل القام 76 عاماً من عمره المديد، إن شاء الله، قضى معظمه معلماً في مدارس الشحر الإعدادية والأساسية حتى أحيل إلى التقاعد، براتب زهيد لا يفي بمتطلبات الحياة، ولا بإيجار المنزل، وإلى جانب وظيفته التربوية التي أخلص لها، انشغل منذ وقت مبكر بالبحث والتوثيق للتراث الحضرمي، وعلى الأخص في مدينته الشحر، ولا نبالغ أن وصفناه بـ(ذاكرة الشحر) وحافظ وموثق تراثها، وشواهدنا على ذلك أعماله المكرسة للشحر، نذكر منها: “تاريخ مساجد الشحر وأصحابها”، و”رجال الشحر في شرق أفريقيا من خلال أدبهم الشعبي”، و”باحسن..بلبل الشحر الصداح”، و”زيارة الشحر وصاحبها العطاس”، و”المؤرخ الشاعر علي سعيد بامعيبد المتوفي بمسقط رأسه الشحر عام 1922م” وتحقيقه وتقديمه لمسرحية محمد عبدالقادر بامطرف “سور الشحر”، فضلا عن اهتمامه بالتاريخ والتراث الحضرمي بشكل عام، ونُشر له في هذا الصدد المؤلفات التالية:”معجم شعراء العامية الحضارمة”، “الشواني ..رقصة شعبية حضرمية”، “العدّة رقصة شعبية”، “الشاعر الشعبي فرج أحمد بلسود”، نشر “مخطوطة العطاس في أنساب بعض قاطني حضرموت”. وله قيد البحث عدد من المؤلفات، نذكر منها: “أضواء على تاريخ الأغنية الحضرمية”، “شعراء وأغنيات”، “الشاعر (أخو علوي) دراسة وتحقيق”، “المكتبة السلطانية بالشحر”، وغير ذلك من الأعمال التي يعكف على إنجازها بهمة وحيوية ونشاط نفقتدها لدى كثير من الشباب، ونأمل أن يجد (أبو ماجد) الدَّعم اللازم لنشرها لترى النور قريباً في حياته، أطال الله عمره ومتعه بالصحة والعافية.
شخصياً تعرفت على الباحث عبدالله صالح حداد من خلال كتاباته وأبحاثه المكرسة للموروث الشعبي الحضرمي التي كان ينشرها بالصحف والمجلات المحلية منذ أواخر سبعينات القرن الماضي، حيث برز اسمه ضمن أدباء وكتاب حضرموت ممن سطعت أسماؤهم في المشهد الثقافي الحضرمي ، ثم ربطتني به قبل عقدين علاقة صداقة وتواصل عبر الأثير وتبادل الوثائق في التراث الحضرمي واليافعي، إذ جمعنا الاهتمام المشترك بالتاريخ والتراث، فعلى سبيل المثال صدر له عام 2015م كتاب (معجم شعراء العامية الحضارمة) وكنت قد أصدرت قبله كتاباً مماثلاً عام 2006م بعنوان(أعلام الشعر الشعبي في يافع)، ولي إصدارات عديدة أخرى، مثلما له إصدارات أخرى أسلفت ذكرها..

وكانت مشاركتنا في المؤتمر العلمي الثاني “التاريخ والمؤرخون الحضارمة- القرن العاشر الهجري) الذي نظمه مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر في ديسمبر 2016م فرصة لأن نلتقي لأول مرة وجهاً لوجه في رحاب ذلك المؤتمر، بمدينة المكلا، فتعانقنا عناق الأصدقاء، وتكررت مشاركاتنا في الفعاليات العلمية اللاحقة، واستمر التواصل والتعاون وتبادل الإصدارات فيما بيننا.

وقد يتعجب المرء أن هذه الشخصية التربوية، والهامة الثقافية الحضرمية، بعد هذا العمر الطويل الذي أفناه في خدمة الوطن بكل إخلاص، وبعد رحلة العطاء المتدفق الذي لم ينقطع مدده في التاريخ والتراث، لا يمتلك مسكناً خاصاً به يأويه وبنيه، وما زال يسكن بالإيجار حتى اليوم، فيما نرى نكرات وسماسرة وأدعياء (النضال) يملكون العديد من الدور والقصور.. ولو كان الأمر بيدي لكرَّمته بمنزل يأويه ليتخلص من منزل الإيجار الذي يستنزف معظم راتبه التقاعدي الحقير، الذي لا يتعدَّى 66 ألف ريال، يذهب نصفه للإيجار، فكيف بالله عليكم بمبلغ زهيد كهذا أن أن قضى 36عاما مدرساً ومربياً لأجيال كثيرة حتى تم إحالته قسرياً للتقاعد وهو في عز العطاء عام 2004م، ثم ما زال وهو يقترب من الثمانين حولاً ذلك الباحث الجاد في التراث والتاريخ الذي لا يشق له غبار ، إذ صدر له 14مؤلفاً وما زال في جعبته الكثير..ألا يستحق أن نبادله العطاء بالوفاء ورد الجميل..

**
ملحوظة:
(أرفق صورة لما كتبه في صفحته في الفيسبوك في 17ديسمبر 2021م من قلب يقطر ألماً يصف ما آل إليه الحال، في ظل انهيار قيمة الريال وارتفاع غول الأسعار لعل رسالته تصل للمعنيين)