محرك البحث
أخر الأخبار
إعلان
إعلان
من تقنيات البناء في يافع .. استخراج الحجارة وتشذيبها (النقاشة)

كتب – علي صالح الخلاقي.
النِّقَاشة: هي نحت أو استخراج الحجارة وتشذيبها وتجهيزها للبناء بطريقة فنية بحيث تنعكس في لوحة الجدران بغاية من الدقة والإتقان. وفي الفصيح، نقَش الحجرَ ونحوَه: نحته، والنقَّاش: مَن حرفَتُه النَّحت والحفر، قال تعالى {وَتَنْحَتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا}.
والنِّقاشة هي الطريقة التي يتبعها اليافعيون في استخراج الحجارة اللازمة للبناء بمختلف مقاساتها وأحجامها من “المِنْقَاش”، وهو المحجر الذي تُقطع منه  الحجارة، ويُفضَّل أن يكون في مواقع قريبة من قراهم وتجمعاتهم  السكنية، ومثل هذه المحاجر كثيرة في يافع التي تتميز بكثرة سلاسلها الجبلية التي تستخرج منها الأحجار ذات الأشكال والألوان المختلفة فمنها الرمادي الداكن المائل إلى الأزرق ومن أهم أصناف الحجارة: الحجر الجيري والرخام والمرو..الخ.
وقد مَهَر اليافعيون منذ أقدم العصور في نحت الأحجار والصخور الجبلية بأنواعها، ولانت قساوتها أمام هممهم وعزمهم وتفننوا في تهذيبها وتشكيلها.
 يقوم النقاش باستخراج الحجارة ذات الأشكال والأحجام المختلفة حسب الحاجة إليها عند البناء فمنها: حجارة الوجه(الظهارة)، والبطانة، والركن، والصَّلا، والأعمدة الحجرية المستطيلة (السَّحَابيل- كما في الصورة). ثم يقوم بعد ذلك بتسوية وتهيئة واجــــهـــــات الـــحـــجــــــــارة، وتُسمى هذه العملية “تمثيل الحجر” وهو ما يُعرف في لهجة مناطق أخرى “توقيص الحجارة”. يقال: مَثَّل الحجر، أي أتقن تهذيبها وتسويتها والتخلص من زوائدها لتتجانس مع بعضها، خاصة “الظهارة” التي تكون في واجهة المنزل .
     وقد تغنى الشعراء بذلك، كما في قول الشاعر طاهر عثمان السليماني:
وبن عثمان طاهر قال ببدع
 وطرَّحَتْ المباني والحجاره
وبيدي مطرقه لوشي تصرَّع
 ومثَّلت الحجر ذي هي ظهاره
ويقول الشاعر قاسم عوض المحبوش القعيطي:
عاد للحيد نَقِّاشَه وباني يجانس
 والمعاني مَبَاني والمباني على الساس
وكانت طُرق استخراج الحجارة عملية شاقة، وهي من أصعب الحرف ويضطلع بها خبير ماهر  يسمى (النَقَّاش)، وهو متخصص في فلق ونحت الأحجار وتسويتها وتهذيبها، وإلى جانب قوته البدنية يمتلك الخبرة اللازمة في تطويع الحجر، وأجره مُغرٍ ، إذ لا يفوقه إلا الباني، وكلما كان النقَّاش ماهراً كان أجره أكثر. ويوجد في كل قرية حرفيون متخصصون في هذا العمل الشاق، كما في كل الحرف والمهن الضرورية الأخرى.
أما الأدوات التي يستخدمها النَّقَّاش فتتمثل في الزُبرة وهي كتلة كبيرة من الحديد، والصَّبرة وهي قضيب معدني طويل وسميك، ملء قبضة اليد، يستخدم لـ(تعويد) الكتل الكبيرة من الأحجار أي زحزحتها وقلعها، والمطرقة، والفَرَاصْ (الأزميل) وهو خابور أو قضيب من الحديد مستدير ومدبب من أحد طرفيه ويُنْقر به الحجر عند نحته من الجبل بالضرب عليه بواسطة الزُّبرة.
وغالباً ما يكون إلى جانب (النقاش) شخص آخر يعاونه في عمله يُسمى (بَتُول) ومهمته أن يمسك بيده (الفراص) أثناء الطرق عليه بالزبرة من قبل (النقاش) ومساعدته في قلـــــــع الأحجار من منبتها بواسطة الزبرة،ومن مهامه تقليب الحجارة المنحوتة وتجميعها جانباً أو فوق بعضها البعض.
يتحاشى النقَّاش الجبال الصلدة الملتصقة ببعضها لصعوبة استخراج الحجارة منها، ويفضل المحاجر الأسهل في الجبال التي تكون طبقاتها متوازية، إذ يسهل فصلها وقطع كُتل الحجارة بواسطة الزبرة والفراص، ولهذا يبدأ أولاً  بكشف الطبقة أو الكتلة المراد قطعها، ثم يعمل تجويفا عميقا، يضع فيه الفَرَاص ويطرق على رأسه بواسطة الزبرة بصورة متكررة حتى تنفصل الكتلة أو يغوص الفَرَاص فيلقم الكتلة بحجارة في داخلها ثم يواصل توسيع الفجوة حتى تنفصل الكتلة الحجرية الكبيرة.
 أما إذا كانت الكتل الصخرية شديدة الصلابة فإن النقاش يتتبع مسار خط الفلق فيها، وهي ما تُعرف لديهم بـ(الشَّعرة) وهي خطوط من أصل تكوينها، وليست شروخاً أو شقوقاً بيِّنة، لكنه يهتدي إليها  بخبرته ثم يواصل الضرب على نفس مسار خط الشعرة فيفلقها مهما كانت صلابتها، وقد يضطر إلى إشعال النيران في تجاويفها وأخاديدها بوضع قطع القماش الرثة أو الحطب حتى تلين ويسهل فصلها وتقطيعها حسب الأحجام المرغوبة والمطلوبة. كان هذا قبل دخول التقنية الحديثة في مقالع الحجارة خاصة آلة النقر (الكمبريشن) وأصابع الديناميت..الخ، التي يسَّرت قطع الحجارة بصورة أسرع، ومكَّنت من التحكم بسهولة في حجم وشكل الأحجار (كما في الصورتين أدناه).
وبعد أن تتجمع الكميات الكافية من الحجارة كان يتم نقلها من (المنقاش) إلى عرصة البيت المحددة بطريقة التعاون الجماعي (المَعوَن) على ظهور الحمير أو الجمال وأحياناً على ظهور الناس، خاصة حين يكون مقلع الحجارة قريبا من موقع البناء. وما زال الحال كذلك في بعض المناطق الجبلية الوعرة التي لم تصل إليها طرق السيارات حتى الآن.
*******
من كتاب (فنون العمارة الحَجَرية في يافع) تأليف:د.علي صالح الخلاقي.
وسوم :
شاركنا الخبر
أخبار ذات صله

أترك تعليق
إعلان
ابحث في الموقع
الطقس في عدن
الطقس في عدن
26°
Clear
05:5417:32 +03
WedThuFri
31/25°C
31/25°C
31/26°C
تويتر
فيسبوك
إعلان
%d مدونون معجبون بهذه:
https://www.googletagmanager.com/gtag/js?id=UA-34464396-2 window.dataLayer = window.dataLayer || []; function gtag(){dataLayer.push(arguments);} gtag('js', new Date()); gtag('config', 'UA-34464396-2');