نحو إحداث واقع إداري جديد في هيكل الإدارة الحكومية بمحافظة عدن…كتب/ د. أحمد محمد سميح . | يافع نيوز
أخر تحديث : 03/12/2016 - 06:52 توقيت مكة - 21:52 توقيت غرينتش
القائمة الرئيسية
إعلان
نحو إحداث واقع إداري جديد في هيكل الإدارة الحكومية بمحافظة عدن…كتب/ د. أحمد محمد سميح .
نحو إحداث واقع إداري جديد في هيكل الإدارة الحكومية بمحافظة عدن...كتب/ د. أحمد محمد سميح .

يرتبط نجاح اي  برنامج للتصحيح الإداري و الهيكلي إلى حد كبير بمدى قدرتنا على وضع تشخيص سليم لمجمل “أمراض” الجهاز الإداري و في مقدمة ذلك تشخيص واقع ووقائع ممارسات  الفساد السائدة  في مختلف وحداته كأساس  لا غنى عنه لإنجاح عملية “التصحيح و إعادة البناء المؤسسي” ، التي ينبغي ان  تنطلق من مقاربة  منهجية تقوم على تامين توازن وظائف الأجهزة الإدارية على  المدى  القصير و المتوسط و البعيد عبر تبني منهج  للإصلاح الإداري يقوم على  ( تثبيت و تامين  استقرار  وظائف الوحدات الإدارية كمرحلة أولى- تحسين و تجويد الأداء كمرحلة ثانية – التغيير و إعادة البناء في إطار برنامج شامل للهيكلة الإدارية – كمرحلة ثالثة  ).  وذلك للوصول إلى نتائج ايجابية ..

لا شك أن الجميع يدرك ان عدن اكتسحتها موجة فساد إداري عاتية  عصفت ببنيتها الإدارية منذ بداية عقد التسعينات مع عملية التوحيد السياسي لنظامي الشمال و الجنوب في عام 1990م .  فدمج الجهازين الإداريين السابقين  للدولتين صاحبه  استحداث كثير من الهياكل الإدارية و إصدار عشرات القوانين و التشريعات الإدارية ، في ظل عملية” تسييس ” واسعة النطاق لوظائف الإدارة الحكومية ووجود عقليتين إداريتين متناقضتين أداء و سلوك ، الأمر الذي أفضى إلى بروز العديد من الإشكالات و المصاعب والمعوقات الإدارية التي مثلت في مجملها بيئة حاضنة للفساد بكافة ملامحه.وصوره . ان ابرز معالم تلك المعوقات الإدارية التي ساعدت على تمدد الفساد رأسيا و أفقيا في هياكل الأجهزة الحكومية تجلت بوضوح من خلال المظاهر التالية :

  • الجنوح الجامح نحو تعزيز المركزية في مكونات النظام الإداري  كمبدأ يرتبط بحق تعزيز السيادة و سلطة الدولة على المحافظات  و المناطق ،  بغض النظر عن طروحات اللامركزية الإدارية التي كانت  تثار  في بعض الأحيان في إطار الحكم المحلي والسلطة المحلية .
  • جمود التنظيم الإداري في معظم أجهزة الإدارة الحكومية و فقدان الحد الأدنى من المرونة وسيادة العشوائية و التضارب في ممارسة الصلاحيات. (تضارب في المهام و الاختصاصات بين كثير من الجهات الإدارية و تنازع الاختصاصات فيما بينها) .
  • تخلف أساليب و إجراءات العمل و ” تكلس الأداء الوظيفي” و تراجع مبدأ تفويض الصلاحيات و السلطات و غياب معايير تبسيط إجراءات العمل و تقييم الأداء . ” بمعنى آخر .. سيطرة روتين إداري امتاز بتعقيد و تأخير المعاملات الإدارية و كثرة التوقيعات ” و أساليب عمل إداري اتسمت  بالعقم  ساعدت على استغلال الوظيفة  العامة لأغراض شخصية .
  • الافتقار الى وجود جهاز متخصص ” بالتنمية الإدارية ” و تعثر وزارة الخدمة المدنية  في القيام بهذه المهمة نظرا لمحدودية قدراتها الفنية  في هذا الجانب  “.
  • الدمج أو الانفصال المتكرر للوزارات و الوحدات الإدارية و تأسيس وحدات إدارية أو إلغائها لأغراض سياسية و بعيدا عن الحاجة الفنية لذلك . و النزوع نحو تأسيس نظام يقوم على  مبدأ تفصيل و ” تلبيس ” وظائف للأفراد و  الوجاهات الاجتماعية على حساب مهنية الإدارة الحكومية ،الأمر الذي كان من نتائجه  تضخم  الأجهزة الإدارية و انتشار مختلف مظاهر الفساد فيها.
  • عدم وجود مسميات موحدة للأجهزة العامة التي تقوم بواجبات مماثلة : فليس هناك مصطلحات موحدة في شان النشاط الاقتصادي الذي تزاوله الدولة ، فيسمى : القطاع العام ، و أحيانا القطاع الاقتصادي ، و أحيانا أخرى القطاع الإنتاجي ، أو المؤسسات العامة ، أو المشروعات العامة…الخ  و.ليس هناك مصطلح موحد في شان تسمية الجهاز الذي يباشر الوظائف الاقتصادية أو المالية أو المصرفية ، فقد يطلق عليه تسمية : مؤسسة أو مصلحة ، أو منشاة…الخ.  هذه الفوضى في التسميات أو الاصطلاحات انعكست سلبا على أنماط التنظيم الإداري في مكونات الإدارة الحكومية  و في وضوح رؤيتها  و رسالتها وأهدافها.
  • عدم الأخذ بنظام تصنيف و توصيف الوظائف ، فكثير من الوظائف يشوبها الغموض و تثير الالتباس ، نظر لغياب معايير تفصل بينها من حيث قواعد شغلها . فمثلا وظيفة “رئيس قسم” أو “مدير شعبة” قد يشغلها موظف في الدرجة الثالثة و قد يقوم بأعبائها موظف من الدرجة السادسة.
  • سؤ توزيع العاملين: مثال ذلك تكدس بعض الإدارات بعدد كبير من العاملين دون حاجة العمل لذلك في إطار ما يعرف بظاهرة البطالة المقنعة واختلال عملية توزيع العاملين بين الوحدات الإدارية في مراكز المدن و الوحدات المحلية الأخرى .
  • وجود عقلية إدارية تقاوم و تعرقل ، بل ترفض في أحيان كثيرة عملية التغيير و التطوير للجهاز الإداري ( سيادة شعور الالتصاق بين الوظيفة و شاغلها ) ، فأصبح التغيير الإداري يمثل مساس مباشر بمصالح تلك العقليات و بمراكزها الوظيفية و الاجتماعية.

في موازاة ذلك … انتشرت مظاهر لسلوكيات هابطة  في بيئة الإدارة الحكومية تم التعبير عنها من خلال :

  • “السطوة و النزعة الفردية لدى بعض الموظفين والقادة الإداريين وتكييفهم الوظيفة العامة و تحويلها من حق عام لصالح المجتمع إلى حق ” شخصي لشاغلها “.
  • تعيين المقربين عائليا وعشائريا و الأنصار السياسيين دون النظر إلى الأهلية الإدارية و العلمية  للمعينين .
  • ” ترييف بيئة الإدارة ” وتسيد العادات والتقاليد والأعراف القبلية و العشائرية و حضورها الجامح في الممارسات الإدارية و في سلوك كثير من  القيادات الإدارية و العاملين.( ذبح الثيران و التحكيم القبلي لفض بعض المشكلات الادارية و القانونية وعلى حساب هيبة النظام و القانون و الأنظمة و التشريعات الرسمية ).
  • توزيع المناصب الإدارية و الوظائف البارزة و المهمة على الأعوان والمحسوبين و الأنصار المقربين .
  • منح الامتيازات و حقوق وظيفية للأقرباء و الأنصار السياسيين دون وجه حق
    مثال ذلك : (منح علاجية ، مشاركات بمؤتمرات خارجية ، تقديم إعانات و قروض
    و تسهيلات تحت مسميات متعددة ).
  • تزايد حالات الازدواج الوظيفي : بحسب نتائج المسح الوظيفي لوزارة الخدمة المدنية بلغت حالات الازدواج الوظيفي أكثر من45 ألف موظف قي الجهاز المدني .
  • الاستمرار في ” تسييس ” الوظيفة العامة من خلال إصدار التشريعات التي تعمل على تبرير العزل و الفصل من الوظيفة العامة بحجة تحصين الجهاز الإداري من العناصر المناوئة ، و بالتالي التخلص من كفاءات علمية و إدارية  يكون جهاز الإدارة في أمس الحاجة إليها (مثال ذلك  تسريح  و تهميش  كوادر الدولة الجنوبية  و كوادر القوات المسلحة الجنوبيين بعد حرب  1994).
  • تبؤ قيادات إدارية شبه متعلمة لإدارة الأجهزة الحكومية تعمل على إفراغ جهاز الخدمة المدنية من الكادرات العلمية المؤهلة. (من عجائب الإصلاح الإداري في اليمن إن الإحالة إلى صندوق التقاعد ” المسمى صندوق الخدمة المدنية ” تم  في كثير من الأحيان  للكادرات العلمية من ذوي المؤهلات العليا وهي فئة نسبتها في عداد القوى العاملة الوظيفية قليلة مقارنة بالموظفين الآخرين ( لا تتعدى20%  من إجمالي الموظفين في جهاز الدولة)، و في هذا السياق يمكن العودة إلى كشوفات المحالين إلى التقاعد من كفاءات و زارة الزراعة اليمنية).
  • الغياب و إهدار الوقت ، فقد بلغت نسبة الإهدار للعمل في الوزارات في اليمن معدل 45% من وقت العمل.

مجمل هذه الظروف شكلت بيئة حاضنة لتشكل و تنوع ممارسات الفساد الإداري وساعدت على  تمدده و انتشاره في مختلف مفاصل إدارات الدولة .

تشخيص واقع الفساد الإداري في وحدات الإدارة الحكومية في م/ عدن  في إطار دراسة شاملة تم الانتهاء منها اظهر التالي :

  • ان تأثير متغير قيم السلوك الشخصي للعاملين كأحد أسباب ممارسة الفساد بشكل عام تصل الى 47،2% من إجمالي الأسباب التي تدفع العاملين إلى ممارسة الفساد بكافة أشكاله في وحدات الإدارة الحكومية.
  • أن تأثير متغير الأوضاع المعيشية والاقتصادية كسبب لممارسة الفساد بكافة أشكاله في أجهزة الإدارة الحكومية تصل نسبتها إلى 28،9% من مجموع أسباب ممارسة الفساد في وحدات الإدارة الحكومية.
  • أن تأثير متغير ” قيم وبيئة العمل “كسبب من أسباب ممارسة الفساد في وحدات أجهزة الإدارة الحكومية يؤثر بنسبة 34،8% من مجموع الأسباب الدافعة لممارسة الفساد في تلك الأجهزة.
  • أن أعلى أشكال الفساد ممارسة في بنية الإدارة الحكومية هو ذلك الفساد المرتبط بصفقات الأعمال وهيكل السوق (بمتوسط حسابي بلغ39، يليه الفساد التآمري بنسبة   4.38 وأخيرا الفساد القسري وبنسبة 4.25.. وجميعها نسب عالية تشهد على علو “كعب ” الفساد في بيئة الإدارة الحكومية في م/ عدن ).

اجتثاث الفساد ومكافحته كممارسة و سلوك منظمي سيئ  يتطلب تبني استراتيجيات وسياسات إدارية وتنظيمية  فعالة تعمل على تشخيص أشكاله و ملامحه وفقا لخصوصية نشاط كل وحدة إدارية  لتسهيل تطبيق المعالجات الإدارية و القانونية  اللاحقة بحيث تكون اقرب الى الواقع وكذا  العمل على هندسة قيم عمل جديدة  في الوحدات الإدارية  للدولة تعيد الثقة والأمانة إلى سلوك العاملين” وتُسيج بيئة العمل من الممارسات  التخريبية و العشوائية من خلال  التوجهات التالية :

  1. تشكيل لجنة خاصة على مستوى المحافظة (لجنة تطبيق إجراءات مكافحة الفساد ) بإشراف المحافظ لمتابعة مدى التزام الوحدات الإدارية  بالقرارات الصادرة عن مجلس المحافظة

بشان تنفيذ إجراءات مكافحة الفساد في الوحدات الإدارية

  1. الشروع بتبني سياسة “التدوير” في  شغل الوظائف القيادية و اعتماد مبدأ ” شغل الوظيفة القيادية و الإشرافية على أساس المنافسة  .
  2. وضع تصنيف للخدمات المقدمة من قبل الوحدات الإدارية بحسب أهميتها الحيوية للمجتمع و بالتالي وضع معايير استثنائية للعاملين وشاغلي الوظائف الذين يتعاملون مع الخدمات التي تمتاز بأهمية خاصة لمنظمات الأعمال و لأفراد المجتمع و ذلك للحد من المتاجرة بها او احتكارها او  تجييرها  او استثمارها لمصالح خاصة.
  3. جدولة حالات الازدواج الوظيفي و حالات الجمع بين أكثر من وظيفة على مستوى كل الوحدات الإدارية  في  المحافظة  واتخاذ المعالجات المناسبة  للحد  من استمرارها .
  4. اعتماد نظام الحكومة الإلكترونية في عمل مؤسسات الدولة و “حوسبة الأعمال الإدارية ” على نحو يقلل فرص الاحتكاك أو اللقاء المباشر للموظف العام بأصحاب المصالح من الجمهور.
  5. تسهيل المعاملات وتبسيط الإجراءات الإدارية ، بتحديد الخطوات والمراحل الإجرائية وآليات سير المعاملات ، من حيث طريقة تقديم الطلبات، والوثائق أو المستندات المطلوب إرفاقها، والمدة الزمنية المطلوبة لإنجاز المعاملات بأنواعها، ونشر كل هذه المعلومات في دليل، على بوابة كل مرفق حكومي، وتعميم صناديق الشكاوى في المرافق الحكومية كافة، لتمكين المواطنين أصحاب المصالح من تقديم شكاواهم بالمخالفات الإدارية والقانونية ، وعمليات الابتزاز التي يواجهونها من قبل الموظفين.
  6. العمل على إصلاح أنظمة الأجور و تفعيل أنظمة الحوافز والرعاية الصحية للعاملين كأحد أدوات رفع المستوى المعيشي لهم والتطبيق التدريجي لقانون التأمين الصحي لتخفيف العبء الاقتصادي على الموظفين.
  7. تفعيل نشاط مجلس تخطيط المدينة في إطار التخطيط الاستراتيجي لمدينة عدن و اعتماد المنهج الاقتصادي في حل مشكلات الأراضي من خلال تطبيق منهج ” اقتصاديات الأراضي والحيازات ” كأساس لتنظيم صرف ومنح الأراضي للأفراد والمستثمرين وفقا لمعايير اقتصادية واجتماعية محددة تأخذ بعين الاعتبار حاجة المشروعات وحاجة الأفراد والعادات والتقاليد عند تحديد وتخصيص الأراضي
  8. تصميم برامج تدريبية وتعليمية و توعوية تشرح مخاطر الفساد وتضمينها المناهج التعليمية كمقررات في المدارس والمعاهد والجامعات.وأشرك منظمات المجتمع المدني بكافة أشكالها في تنفيذها من خلال المساجد والإعلام المرئي والمقروء  وخلق رأي عام يرفض  تأصيل” “ثقافة الفساد” في المجتمع.
  9. ترسيخ مبدأ الفصل بين السلطات وسيادة القانون وإخضاع الكل للمساءلة القانونية والمساواة أمام القانون وتنفيذ أحكامه.
  10. إعمال القوانين المتعلقة بمكافحة الفساد على جميع المستويات، كقانون الإفصاح عن الذمم المالية لذوي المناصب العليا، قانون الكسب غير المشروع ، قانون حرية الوصول للمعلومات.
  11. تعزيز دور الصحافة البناءة ” و تعزيز دورها في المجتمع كسلطة رابعة وتمكينها من الوصول إلى المعلومات وعرضها بشفافية ومهنية على المجتمع وصيانة الحقوق المهنية للصحافيين وحمايتهم قانونيا.

 

شاركـنـا !

أترك تعليق
فيسبوك

Social Widgets powered by AB-WebLog.com.