«صدى الصمت».. تنبش بئر العذابات العربية ومكابدات المهجّرين في منافي الأرض | يافع نيوز
أخر تحديث : 07/12/2016 - 10:45 توقيت مكة - 01:45 توقيت غرينتش
القائمة الرئيسية
إعلان
«صدى الصمت».. تنبش بئر العذابات العربية ومكابدات المهجّرين في منافي الأرض
«صدى الصمت».. تنبش بئر العذابات العربية ومكابدات المهجّرين في منافي الأرض

يافع نيوز – فن وثقافة:
هل يمكن لحوار الطرشان ولقاء العميان أن ينتجا أملاً من أي نوع أو أي صفة وسط عذابات الغربة الطاحنة حدّ اليأس، وهل يمكن لغريبين يجمعهما شقاء مشترك، الخروج بصيغة مقبولة من الاستئناس بالذكرى وترويض الفقد ومداراة الألم؟.

ربما كان هاجس الاغتراب الطاغي على عرض (صدى الصمت) في افتتاح الدورة 26 من أيام الشارقة المسرحية، هو مفتاح المعالجة الإخراجية التي عمل عليها المخرج (فيصل العميري) طويلا، كي يفك مغاليق النص الذي كتبه الفنان العراقي الراحل قاسم مطرود، انطلاقاً من سؤال الهويّة لدى كل اللاجئين والمنفيين والمهاجرين في أصقاع الدنيا، أولئك الذين يجذبهم الحنين وتفرقهم المسافات، ويكون النسيان بالنسبة لهم خلاصاً مؤجلاً من وطأة الهمّ والمرارات الفادحة.

جاء افتتاح عرض (صدى الصمت) لفرقة المسرح الكويتي في أول أيام مهرجان الشارقة المسرحي، كتقليد سنوي تتبعه إدارة المهرجان بعرض العمل الفائز بجائزة سلطان بن محمد القاسمي لأفضل عمل مسرحي عربي، كنوع من الاحتفاء المضاعف بالعرض الفائز، وتثميناً لقيمة الجائزة ذاتها بما تتضمنه من أهداف ورؤى لتطوير فن المسرح في البلدان العربية.

استطاع العرض الكويتي أن يجذب اهتمام جمهور أيام الشارقة المسرحية، ونجح في تحقيق غاية الفرجة المسرحية ضمن مسار خاص وحافل بالابتكار والحداثة، معتمداً في ذلك على عناصر إغواء مشهدية، وصيغ تفاعل وتماهٍ مع مفردات العرض، ولغته الشفافة والصادمة في آن واحد.

فبالإضافة لمهمته الأساسية في إخراج العمل، شارك الفنان فيصل العميري في تنفيذ الدور الأدائي لإحدى الشخصيات الرئيسة الثلاث بجانب الفنانة (سماح) والفنان (عبدالله التركماني)، حيث تناوبت هذه الشخصيات المتداخلة والمتنافرة في تطوير مستويات العرض، وخلخلة النسق التقليدي ذي الخطاب الميلودرامي المباشر، وكسر الحاجز الوهمي بين الصالة والخشبة.

يبدأ العرض بفضاء معتم يضيء تدريجياً مع دخول الممثل (عبد الله التركماني) في دور الدراماتورج المتحكم بتفاصيل الإضاءة والديكور، والمهيمن على متطلبات الدور الأدائي لكل من الرجل والمرأة، ونراه وهو يشرح للجمهور قدرته على إدارة اللعبة المسرحية برمتها من خلال إشاراته وتوجيهاته لكامل طاقم العمل، وكأننا وسط مرايا متقابلة وأخرى متعاكسة تتخللها موسيقا ومؤثرات صوتية حية يشتغل عليها الدراماتورج نفسه بشكل متقن ومدروس لتعويض الموسيقا الخارجية الدخيلة، والتي يمكن لها أن تتحول إلى نشاز وعبء وعنصر تشويش على مكونات العرض الأصيلة، والأقرب هنا إلى الورشة أو البروفة بحيث لا يستطيع المتفرج في لحظات عديدة من زمن العرض، أن يفصل ما بين الواقعي والمتخيّل، كما لا يمكن له أن يعزل طزاجة الأداء العفوي عن تأثير النص المكتوب والتحضيرات المسبقة للعرض.

وبين مسعى الدراماتورج لتوليف مسارات الحكاية، ومسعى الممثلين الآخرين للتمرد على توجيهاته الغالب عليها صفة الفردية والاستبداد، يبدأ العرض بنسج خيوطه على مراحل متقطعة، نتعرف في مطلعها على امرأة لاجئة تعاني من فقد ابنها الوحيد في الحرب، بينما تستضيف في منزلها رجلاً غريباً ولاجئاً هو الآخر يعاني مثل المرأة من فقدان ابنه في تلك المأساة البعيدة مكاناً وزمناً، والحاضرة والمتجددة في الذاكرة والروح.

تخبرنا المشاهد الأولى أيضاً عن انقطاع لغة الحوار بين الرجل والمرأة، وكأنهما يعيشان متاهة الترجمة، ويتقاسمان وجعاً دفيناً، من دون أن يملكا وسيلة للتخاطب أو إمكانية إماطة اللثام عن أسرارهما العميقة والمتوارية في ذلك الماضي الدموي، وفي تلك الحرب اللعينة التي دفعتهما إلى المنفى المشترك، ومن دون أمل في الرجوع إلى الوطن.

يتدخل الدراماتورج القابع في زاوية الخشبة لخلق مساحة من التواصل بين الرجل والمرأة، ويحرك الإضاءة على هوى النقلات الدرامية والتصاعد الزمني، كما يوظف المؤثرات الصوتية بين يديه كي يضيف زخماً إضافياً في حالات الصراع ولحظات الذروة، خصوصاً عندما يكتشف الاثنان إنهما قادمان من ذات البلدين المتحاربين، إنه لقاء أعداء الماضي، في بلد المهجر، حيث يتقدم المكان باتجاه النسيان والتسامح، بينما ينحسر الزمان باتجاه الكراهية والثأر، وبين هذين القطبين المتوترين، يقودنا المخرج فيصل العميري إلى مناخه التجريبي الشرس على مستوى الإيقاع النفسي، وإلى حالات تغلب عليها الكوميديا الداكنة والإسقاطات الملامسة لواقع يومي مؤلم يعيشه أبناء البلدان العربية الممزقة اليوم بالكوارث والحروب.

طغت المساحات السوداء على سينوغرافيا العرض وتوزعت أشلاء الذاكرة المحطمة للشخصيتين الرئيستين في اتجاهات متعددة، وكان وضع هاتين الشخصيتين في بؤرة العرض، ومن خلال طاولة صغيرة تجمعهما أحياناً وتفرقهما في أحيان أخرى، هو تموضع مدروس وسمح لظلالهما وحواراتهما أن تتداخل مع شخصية الرجل الصامت المشلول والقابع طوال زمن العرض في عمق الخشبة، وبعيداً عن الأحداث المحتدمة في مقدمتها، حيث بقي الرجل المشلول ثابتاً كصورة افتراضية لحالات الموت المتكرر في دراما العبث والفوضى والجنون. نجح فيصل العميري في الحفاظ على الإيقاع العام للحكاية، على الرغم من صعوبة الأسلوب الذي اعتمده، وكان الأداء التمثيلي متوازناً وقارئاً لمتطلبات التنويع الحركي، والانفعال الدرامي، والتنقل السلس بين القصدية والارتجال، وبين الانعزال داخل العلبة المسرحية، والأداء الحر والمتمرد على أطر ومقاييس هذه العلبة، ومن هنا أيضاً أتت خصوصية وفرادة هذا العرض المدهش في سياق تجارب عديدة، سعت وما زالت تسعى لترك بصمة مؤثرة في مسيرة ومستقبل المسرح الخليجي والعربي عموماً.

شاركـنـا !

أترك تعليق
فيسبوك

Social Widgets powered by AB-WebLog.com.