إشكالية الهوية في اليمن .. محور الصراعات الظاهرة والخفية – ورقة للدكتور الربيعي في ورشة عمل ( اليمن من جديد .. تخُيل لآفاق التطوير) | يافع نيوز
أخر تحديث : 11/12/2016 - 04:34 توقيت مكة - 19:34 توقيت غرينتش
القائمة الرئيسية
إعلان
إشكالية الهوية في اليمن .. محور الصراعات الظاهرة والخفية – ورقة للدكتور الربيعي في ورشة عمل ( اليمن من جديد .. تخُيل لآفاق التطوير)
إشكالية الهوية في اليمن .. محور الصراعات الظاهرة والخفية - ورقة للدكتور الربيعي في ورشة عمل ( اليمن من جديد .. تخُيل لآفاق التطوير)

يافع نيوز – خاص  :

تلقى “يافع نيوز ” ورقة عمل لــ” د. فضل عبدالله الربيعي ” رئيس قسم علم الاجتماع – كلية التربية – جامعة عدن – رئيس مركز مدار للدراسات والبحوث، بعنوان (إشكالية الهوية في اليمن .. محور الصراعات الظاهرة والخفية ) .

نص الورقة :

مركز دبي للاستشارات والبحوث والإعلام

ورشة عمل ( اليمن من جديد .. تخُيل لآفاق التطوير)

16 فبراير 2016م

ورقة بعنوان :

 إشكالية الهوية في اليمن .. محور الصراعات الظاهرة والخفية

لقد خاض الكثيرُ في مفهوم الهُوية ومحدداتِها والقضايا المثارةِ حولها وتجاذباتها ، ويمثل موضوعُ  الهُويةِ وتأزمها في كثير من المجتمعات المعاصرة أحدى أدوات الصراع السياسي والثقافي في داخل المجتمع الواحد أو مع المجتمعات الأخرى . فكثير من الحروب التي دارت وتدور اليوم في مناطق مختلفة من العالم  ما هي الاّ حروب وصراع هُويات .

ويعد مفهوم الهُوية إشكالية كبيرة مثله مثل معظم مفاهيم العلوم الاجتماعية والإنسانية يحتمل أكثر من معنى وتفسير، وهو من أكثر المفاهيم تداولاً وأكثرها غموضاً وتلوّناً وتشعُّباً وتضخمت بشأنها المقاربات والدراسات ، بل يعد مفهوم الهوية من المفاهيم التي يثار حولها جدلاً سياسياً وثقافياً واسعاً نظرا لما يتعلق به من محددات ومؤشرات ومفاهيم كالذات واللغة والثقافة والحضارة والأصالة والأعراف والتقاليد والخصوصية والتثاقف. 0

ولسنا هنا بصدد الحديث عن التحديد الدقيق لمفهوم الهُوية ومدلولاتها ومكوناتها ، ان ما يهمنا هو تناول الهُوية  والصراع في اليمن للكشف عن تحديات هذا الإشكال في الصراعات داخل اليمن الذي يعيش أزمة هوية وطنية واضحة المعالم يجمع الكل حولها ، فالناس والتجمعات السكانية يعبرون عن انفسهم في الفضاء العام بهُويات مختلفة (مذهبية ومناطقية وعشائرية وقبلية) تستند  إلى مرجعية الأرض ،  الأمر الذي جعل  اليمن يعيش حالة أزمات وحروب تتعلق بذلك الإشكال ، وما الحرب الدائرة باليمن اليوم ومسرح عملياتها إلاّ دليلاً على تلك  الازمة البنيوية في المجتمع، وقد انعكس ذلك على عدم حسم الحرب ، بسبب عدم التعامل مع  مكامنها المحددة بتداخل الهُويات التي تختفي تحت عناوين الحرب السياسية بين الشرعية والمليشيات الانقلابية .

حيث يتصف اليمن بأنه بلد تتعدد فيه المكونات المحلية والاجتماعية والثقافية والسياسية التي تبدأ بالهوية السياسية بين الشمال والجنوب مروراً بالطوائف الزيدية والشافعية  وتنتهي بالقبيلة والعشيرة ، والتي تأخد ابعاداً سياسية في أغلب الحالات .

ولم تتبلور هُوية وطنية بعد يتم اعتمادها كهُوية جامعة للدولة والنظام السياسي يرغب فيها الجميع بشكل واضح على نحو ما هو في المجتمعات الأخرى التي عاشت عصوراً طويلة  في استقرار دائم  .

يمكن القول أن الهُوية في اليمن  قد تعرضت إلى جملة من الأعمال التي طالها التشويه والتشتت المتواصل عبر التاريخ . يذكر أن اليمن لم يحكم  بدولة واحدة إلاّ في 1990م  بإعلان مشروع وحدة بين دولتين وطنيتين مستقلتين هما جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والجمهورية العربية اليمنية وهي محاولة تعرضت للفشل منذ بدأيتها واكتمل فشلها بعد حرب 1994م.  وتعد الوحدة هي محلّ خلاف للحراك الجنوبي الذي يناضل من أجل العودة إلى جنوب مستقل بهُويته ([1]).

والحقيقة ان الوحدة اليمنية لم تكن مبنية على أسس متينة بسبب الانقسامات  المتعددة في الهُوية والتمايز الثقافي والاجتماعي التي حددت سياساتها عدة قرون ، إذ تشكل الهُويات بين مواطنين دول منقسمة على امتداد الخطوط الاقليمية التي يعتمد مواطنيها هُويات اقليمية أقوى مما يؤدي إلى تقويض الاحساس بأي وحدة وطنية مشتركة ، وهذا الأمر واضح في اليمن الذي شهد  عدد من الحروب كحرب 1994م ([2])، والحرب الدائرة حالياً. وقبلها جرت عدد من الحروب بين الطائفتين الزيدية والشافعية لسنوات طويلة في الشمال ، فضلا عن الحروب بين الجمهوريتين قبل عام 1990م ، وحروب الحوثيين مع السلفيين مؤخرا جميعها حروب تتمحور حول موضوع الهُوية.

لقد ظلت الانتماءات الطائفية والقبلية والجهوية تفعل فعلها في مجريات الازمات والصرعات المتكررة والمستمرة في اليمن إلى يومنا هذا، حيث تشكل أزمة الهُوية  الوطنية  النواة الرئيسية لمختلف الأزمات المزمنة التي يعاني منها اليمن ، وهي تحتاج إلى جهود جبارة تتجه نحو إيجاد معالجات صائبة وجذرية تعيد الأمور إلى نصابها واستحقاقها الحضاري والتاريخي والانطلاق منها نحو مستقبل آمن في اليمن والمنطقة بعامة.

ويعد تاريخ الدولة في اليمن هو سلسلة أزمات وصراعات متناسلة وانهيارات متتالية وهذا امر مسلم به طالما استندت السياسات على التمييز والمغامرات وإنتاج التخلف .

وقد كشفت الحروب أنها حروب كامنة تحت دوافع أزمة الهوية في الأساس وليست ازمة تغيير في النظام  السياسي . إن غياب مشروع الدولة الوطنية يعود في الأساس إلى فشل بنيوي في الهوية والنظام السياسي الذين حولته النخب السياسية والاجتماعية إلى عصبويات مختلفة  زادت من عملية  التشظي السياسي والاجتماعي والثقافي .

إن تكرار الصراعات المسلحة بين اطراف عدة خلال السنوات الماضية كانت تدار حول الهويات التي تتخذ من السياسة والايديولوجيا غطاء لها ، فنتج عنها الكثير من المظالم والتهميش وممارسة سلوك الإستعلاء والاستقواء من قبل بعض القوى في إطار تجاذب الايديولوجيا ورفع شعارات سياسية خالية من مفاهيمها ومضامينها الحقيقية .

ان ابرز الحروب التي عرفها التاريخ اليمني كانت تدور حول الهُويات ( الطائفية والقبلية والمناطقية أو هُوية الدولة ) حتى وان اختفت تحت مسميات أخرى ، فحرب 1994م  جرت بعد اربع سنوات من الوحدة  تعود أسبابها في الأساس إلى الخلفية الوطنية لهُوية الدولتين والنظامين السابقين الذين حكما كل من  “الجمهوريتين ” كهويتين منفصلتين تمثل ذلك الفصل في طبيعة الحرب ونتائجها التي تعامل معها الشمال كهُوية طرف منتصرعلى الجنوب الذي تم الحاقه بهوية الشمال بالقوة العسكرية وما خلفته من نتائج تمثلت في  نهب ثروات الجنوب وتشريد أبنائه واذلالهم وتحويلهم إلى مواطنين من الدرجة الثانية وطمس كل الآثار والمعالم التي تتصل  بالذاكرة الثقافية للجنوب، الأمر الذي دفع بالجنوبيين  للنضال من أجل العودة إلى هويتهم الوطنية وفك الارتباط واستعادة هُوية دولتهم الوطنية ، وعلى خلفية ذلك الإشكال نشطت الحركة السياسية الجنوبية التي عُرفت بالحراك الجنوبي ونضاله السلمي لإستعادة هُويتهم الوطنية ودفعت خلالها بآلاف من الشهداء والضحايا الذين سقطوا في المظاهرات والتجمعات السلمية ،  الامر الذي زاد من تفاقم الحقد والكراهية بين مواطني دولتي اليمن السابقة.

لقد خاضت الحركة الحوثية في الشمال ستة حروب مع نظام صنعاء وهي حركه سياسيه تستند إلى بعدها الطائفي كمحرك رئيسي لتلك الحروب التي تحمل في طياتها احياء للصراعات الطائفية القديمة وتهدف للسيطرة على الحكم .

وقد جاء مؤتمر الحوار على خلفية  الأزمات والاحداث التي عاشها اليمن خلال السنوات الماضية وبحث معالجتها ليخرج  بمخرجات مشروع بناء دولة اليمن الاتحادية تتكون من أربعه اقاليم في الشمال واثنين في الجنوب بهُويات فرعية جديدة ، أكثر تعقيداً للواقع ، ولم تكن محل  إجماع وطني حقيقي  فقد قاطعها الحراك الجنوبي ولم تأت بمعالجة ناجعة لتلك القضايا الجوهرية في اليمن وأهمها قضية الجنوب وهُويته التي يتمسك بها الجنوبيون كهُوية مستقلة عن الشمال ، وهي  القضية التي لم تحض بالاهتمام الكافي سواء في مؤتمر الحوار أو في الحوارات اللاحقة له ، من قبل النخب  الحاكمة أو من قبل الدول الراعية للعملية السياسية في اليمن – مع الأسف -. وحتى اندلعت الحرب الأخيرة بين  المليشيات الانقلابية” الحوثي والرئيس المخلوع ”  والسلطة الشرعية التي رأى فيها الجنوبيون الفرصة لتحقيق رغبتهم  بالاستقلال ، لاسيما وقد كشف مسرح عمليات هذه الحرب عن خلفياتها المتمثلة في حروب الهوية سواء كانت الطائفية أو الجهوية وهذا ما يفسره ذلك التحالف الجهوي في الحرب الاخيرة الذي تجاوز المسميات السياسية في مواقع كثيره ، وظهر ذلك جليا في التحالف بين الحوثي والجيش اليمني الذي يأتمر بأمر الرئيس المخلوع في حربهم  ضد الجنوب بالمقابل وقف الجنوبيون  بمختلف انتماءاتهم السياسية صفا واحدا في هذه الحرب من سلفيين وحراكيين وقوات شرعية مما ساعد على سرعة حسم المعركة بالجنوب ، بينما تأخر حسم المعركة  بالشمال الذي تداخلت فيه هُوية الحرب الطائفية والسياسية ، كل ذلك سوف يعمّق من تزايد الصراع بين كل من هويتي الشمال والجنوب من ناحية ، وبين الهوية الطائفية ” الزيدية والسنة ” من ناحية أخرى . وبهذا الصدد  يذكر (ستيفن دبلوداي) في حديثة عن الخطة الفدرالية باليمن بأن التاريخ الممتد إلى ثلاثة الف سنة  لم يسجل أن اليمن حُكم بوصفه فدرالية مكونة من اقاليم تحت سلطة واحدة  بل كان مقسما إلى مناطق تحكمها سلطات مستقلة ([3]). لهذا لم تنجح  الدولة الحديثة في إيجاد جؤ من الطمأنينة  لدى المجتمع مبني على تحقيق العدالة الاجتماعية  ورعاية المواطن وحفظ الحقوق وتقديم نفسها بوصفها تجربة وحدوية وطنية ناضجة يعتمد عليها المجتمع . إن عدم تحقيق الوحدة المجتمعية في بلد عُرف بالتعددات المجتمعية القبلية والطائفية و المحلية التي عاشوها في إطارها الضيقة قروناً طويلة من  الزمن إنما يعود إلى ان الدولة لم تكن دولة ناضجة وقوية قادرة على تحقيق متطلبات الوحدة المجتمعية. بل ظلت فيها النخبة الحاكمة تستفرد بالبلاد والعباد تميزّ بين الفئات والهُويات المختلفة على حساب المصلحة العمومية للهُوية الوطنية المشتركة، الامر الذي أدى إلى انعاش العصبوية والمذهبية واستعادة إنتاج  مستمرة لثقافتها وتكتلاتها القديمة، فالـفرد في اليمن يلحظ إنه دائما مشدودً إلى الكيانات التقليدية التي يرى  بانها توفر له الحماية وتنمي عنده الوجود المادي والمعنوي كرد فعل  للهوية المستبدة.

وبهذا الصدد يرى الجنوبيون أن مفهوم الهُوية الوطنية لديهم تتمثل في فك ارتباطهم السياسي عن هُوية الشمال المستبدة بسبب ما تعرضوا له من عزل وتهميش خلال الخمسة والعشرون العام الماضية وتركة يعيش في احوال اقتصادية سيئة  تحت ضغط الوحدة التي يرون انهم الخاسرين فيها الأمر الذي عاد بهم للبحث عن هُويتهم السابقة (الجنوب العربي) لإثبات اختلافهم عن اليمن كليا وهي التسمية السابقة للجنوب إلى عام  1967م ، والمشار إليها في وثيقة الاستقلال ، وأن تسمية دولة الاستقلال بأسم (جمهوريه اليمن الجنوبية الشعبية) جاءت تحت دوافع  دوافع المد القومي العربي في تلك الفترة ، إذ يرون بأنها كانت سبباً رئيسياً في عدم حصولهم على تعاطف الخارج العربي والعالمي لما يمارس عليهم من استبداد من قبل الشمال الذي يستقوى بالغلبة السكانية بوصفهم يمنيين ذو هُوية واحدة .

إن سياسة النخبة الحاكمة في اليمن كانت هي نفسها أحد المعوقات امام ترسيم الهوية الوطنية التي تعترف بالثقافات والهويات المتعددة في داخل جسدها الواحد ، بل عمدت على اتباع اسلوب الإلغاء والتهميش للأخر وأسست سياسة  التعامل المتحيز لنوع من الهويات القاتلة كما يقول أمين المعلوف في كتابة (الهويات القاتلة)([4]). لذا فإن فشل الدولة في واجباتها وسياساتها هو في الأساس فشل في تعزيز الانتماء الوطني ومن ثم تظهر الصراعات السياسية والعنف الأمر الذي يؤدي بالضرورة إلى البحث عن الهويات السابقة  ليحتمي في ظلها الناس  والدفاع عن هوياتهم.

وعليه فأن اليمن بهذا الخصوص معرض للمخاطر والانقسام الداخلي نتيجة  المخزون الكبير في العصبيات المختلفة وغياب الهُوية الوطنية، لذا فإن أي مشروع وطني غير قابل للنمو بالنظر إلى الواقع المعاش اليوم بوصفه بيئة غير قابلة لا نجاحه ، بسبب غياب الادراك الواقعي والعلمي لحجم هذه المخاطر لدى النخب السلطوية بمختلف اتجاهاتها الفكرية الذي وصل بهم الامر إلى حد الغائهم التام لتلك الحقائق وانكارهم لها ، بل وتجريم الحديث عنها كما تم مع قضية الجنوب.

أن اليمن اليوم يمر بأسوأ وضع عرفه التاريخ  فاستمرار أمد الحرب  تبدو ملامحها في الواقع واضحة كما خطط  لها من قبل القوى المستبدة  في الداخل والخارج على حد سواء ، وهذا الوضع هو حصيلة لما خلفته النظم الاستبدادية والثقافة الاستقوائية ومصادرة حقوق الأخرين والفساد المستمر للسلطات طوال المراحل السابقة التي انتجت ثقافة الاستبدادية والغلبة والولاءات الفردية ، والنهب المنظم للثروات وفي مقدمتها ثقافة الإستبداد الهمجي الذي عمد إلى الغاء كل ما يتصل بهوية الجنوب ، وعدم الاعتراف بالحق الشرعي لشعب عاش آلاف السنين كدولة  ذات سيادة مستقلة  وقد تجسد هذا الإلغاء على صعيد الواقع  والفكر ، فعلى صعيد الواقع تم الضرب الممنهج للجنوب منذ حرب 1994م، كشعب ودولة ذات هُوية  ، وعلى صعيد الفكر تم انكار هذا الحق بالحديث عن اليمن الواحد وواحديته بمفاهيم صماء ،  وتم اخفاء صوت الحق القائم على اساس الهويتين لشعبين ودولتين ، واختفت الوحدة من الواقع  وبقي الحديث عن وحدة  مجردة من مضامينها والمراد منها اخفاء مطامع قوى محدودة بذاتها . ولم يتم الاعتراف بأن هذا الحق وهذه الخصوصية التي انطلقت منها فكرة ومشروع الوحدة تعود إلى هوية  الشعبين والدولتين التي تكونت عبر آلاف السنين .

اتجهت هذه الذهنية نحو ادخال  اليمن شماله وجنوبه في نفق مظلم مخيف كما يتجلى في المشهد اليوم  وعدم  التفهم للخصائص الرئيسية لليمن بعامة  الذي يتصف بالتنوع  في هُويات  انتماءاته المجزؤة والمتجذرة في التنظيم الاجتماعي ، الذي تشكل عبر مراحل التاريخ الطويل ، فانتشار السكان على رقعة الارض ” المكان” هي التي كونت التجمعات البشرية والتنظيمات الاجتماعية بدءا بما عرف بالشعوب والقبائل ومن ثم الدول ، هذه التكوينات قد حملت سمات التنوع المكاني واتصف كل مكان  بسمته الخاصة في نمط العيش والثقافة والتنظيم الاجتماعي (كهوية مستقلة )، وقد لعبت المرجعيات المكانية  دوراً أساسياً في تفاعل الانسان عبر التاريخ الاجتماعي من الماضي التقليدي إلى الحاضر السياسي والتي تتخذ فيها الهوية طابعاً تقليداً متأثراً بمرجعية الأرض أولا والتي تتصف بأنها شديدة التعقيد والتنوع الجغرافي في اليمن  .

فمنذ القدم توزع الناس في اليمن  بين مجموعات سكانية أو شعوب متجاورة أو مجتمعات محلية مستقرة لها طابع الحكومات والدول المستقلة والإقليمية التي تمثلت سياسياً في مجموعة اتحادات شكلت دول بذاتها  مثل ” سبأ ، معين ، حضرموت، حمير، قتبان ”  ازدهرت فيها الحياة وعُرفت  بأنها منطقة اشعاع للحضارة.

لذا يمكن القول ان اليمن هو بانوراما حقيقية  متأثر بالمرجعية الأم وهي الأرض، والتي تعد الحاكمة التي اُستند عليها التكوين الاجتماعي والثقافي ، وجاء التمييز تبعاً لهُوية الأرض ، فدولة الجنوب كانت تستند على مرجعية الأرض ولهذا فالمطالبة باستعادة الدولة هو استعادة لهُوية السكان المنتمي إلى هذه الأرض التي قامت عليها الدولة وتشكل فيها المجتمع عبر آلاف السنين ، فمرجعية الأرض أو عبقرية المكان كما يقول علماء الاجتماع هي التي تولدت عليها المرجعيات السياسية والثقافية .

إن أهمية أي جماعة قطرية تأتي من أهمية الأرض التي تشغلها وتكونت عليها النظم الاجتماعية . فمازالت الهوية الحقيقة إلى اليوم هي من أين أنت وليس من انت في تكوين الشخصية ، فاليمن وفقا لمرجعية الارض تنقسم الى ثلاث مرجعيات هي :                     1.       الشمال الجبلي ” اليمن الاعلى ” المنطقة الزيدية ومأرب.                             2.       الوسط الهضبي والسهلي (اليمن الاسفل).                                            3. جنوب ساحلي وصحراوي. ” دولة الجنوب”

وقد افرز اليمن الأعلى “الشمال الجبلي ” مرجعية قبلية تقليدية ثابتة تحكمها العلاقات المكانية القبلية  القرابية المتجذرة في شكل الحكم القائم حتى اليوم . أما اليمن الاسفل ” الوسط الهضبي والسهلي ” أفرز مرجعية قروية أقل تقليدية وهي أكثر حركة ، تسودها العلاقات الاجتماعية المكانية. وقد ظهرت الدولة في الشمال الجبلي الاعلى والوسط الهضبي والسهل  عرفت باسم “الجمهورية العربية اليمنية 1962م”

بينما الجنوب الذي انفتح على العالم الخارجي من وقت طويل عبر الهجرات والاستعمار  افرز مرجعية تجارية حيث مثلت عدن وحضرموت المكان الرئيس لهذه المرجعية ، وهي مرجعية تحررت من الروابط التقليدية التي تتحكم بها العلاقات القرابية والقبلية وتحكمها العلاقات العقلانية التعاقدية ، ظهرت فيه  الدولة فيما عرف بالمنطقة  الساحلية  والصحراوية  بعد رحيل الاستعمار البريطاني والتي سميت بأسم  ” جمهوية اليمن الجنوبية الشعبية “1967م

ورغم كل التحولات التي شهدتها الدولتان الحديثتان  في الشمال والجنوب سابقا أو بعد إعلان دولة الوحدة الآ إنها لم تستطيع ان تحدث تحول حقيقي لمصلحة جميع اليمنيين ، بل بقي الوضع كما هو يحمل في طياته ملامح هوية  التقسيم الاجتماعي والسياسي  حيث غلب الطابع العسكري على الشمال والشمال الشرقي ، وفي الوسط ساد الوضع الطابع القروي التجاري ، وفي الجنوب الطابع القريب إلى المدنية .

وبذلك تصنف الأرض اليمنية إلى ثلاثة هويات  اساسية تحددها المرجعيات المكانية وأنماط العيش والشخصية ، نرى ان هذا المدخل يعد المدخل الحقيقي لمعرفة ومعالجة حالات التشتت والصراع الدائم والدائر في اليمن وإضعاف الانتماء الحقيقي لهوية  الوطن الواحد ، فظهور الحوثيين وقضية الجنوب وما جرى ويجري من حروب  إلا تأكيدا على ذلك .

يمكن القول إن هذا التشكيل هو المحدد الرئيس للطابع الخفي للهوية بصيغتها الرئيسية ، وإذا ما تم الاعتراف بهذا الواقع سوف نتجه من خلاله  نحو معالجة شاملة وحقيقية للازمات السياسية وهي الضمان الاكيد للاستقرار وتجاوز الصراعات.

كما إن التحولات الاجتماعية والاقتصادية في اليمن لم تستطع ان تغير شيئاً على أرض الواقع لأسباب وعوامل مرجعية وجغرافية وحضارية وتاريخية ، كما أن  الثقل الديمغرافي لليمن الاسفل بقي محتكراً من قبل المرجعيات التقليدية في اليمن الأعلى ولعل ما جرى في عام 2011م والمتمثل في ثورة التغيير وتغلغل الحركة الحوثية فيه هو خير شاهدا على ذلك ..

إن وحدة اليمن الاعلى مع الاسفل لم ينتج عنها وحدة حقيقية في الشمال ، كما أن وحدة الشمال مع الجنوب هي الاخرى لم تنجح  وهنا يكمن جوهر الأزمة الحقيقية في اشكالية الهوية في اليمن.

لذا فإن إشكالية الهُوية  لا تكمن في عدم التفهم لهذه الحقائق فحسب ؛ بل في محاولة انكارها نظريا وممارستها واقعياً والابتعاد عن دراستها بعمق بوصفها محدداً رئيسياً لأنماط السلوك والفعل الاجتماعي والبناء الاجتماعي والصراع السياسي.

إن هُوية الدولة  الحقيقية لا تتم في الدولة الهشة او الوحدة الزائفة بل هي تلك التي تعترف بحقوق الاخرين واستحقاقاتهم وتنوعهم، وعليه فان اليمن يتوزع بهذا المعنى إلى ثلاثة اقاليم هي:

–      اقليم الشمال يشمل  المناطق الزيدية .

–      اقليم  الوسط يشمل المنطق الشافعية.

–      اقليم الجنوب يشمل المحافظات الجنوبية بحدود عام 1990م . وهذا التوزيع يستند

–      اقليم الجنوب يشمل المحافظات الجنوبية بحدود عام 1990م .

وهذا التوزيع يستند على خصائص  سكانية وثقافية تساعد على الازدهار الداخلي في إطار التنافس والتكامل اذا ما تضمن ذلك مشروعاً نهضوياً تنموياً يتكامل مع دول مجلس التعاون الخليجي .

د. فضل عبدالله الربيعي

رئيس قسم علم الاجتماع – كلية التربية – جامعة عدن

رئيس مركز مدار للدراسات والبحوث

Rabee2012@hotmail.com      +967 733577957

 

 

[1] .أعادة بناء اليمن ( التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ) ، مجموعة من الباحثين ، تحرير نويل بريهوني وسعود السرحان ،مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات ، الرياض ، 1437هجرية ،ص18.

[2] .اعادة بناء اليمن ، مصدر سبق ذكره ، ص 49

[3] . إعادة بناء اليمن ، مصدر سبق ذكره ، ص 28

[4] . http://www.books-cloud.com/

شاركـنـا !

أترك تعليق
فيسبوك

Social Widgets powered by AB-WebLog.com.