قراءة في التحولات الراهنة بالمنطقة (رؤية وطنية استراتيجية تلبي طموح شعب الجنوب في الاستقلال واستعادة بناء دولته المستقلة) | يافع نيوز
أخر تحديث : 03/12/2016 - 11:10 توقيت مكة - 02:10 توقيت غرينتش
القائمة الرئيسية
إعلان
قراءة في التحولات الراهنة بالمنطقة (رؤية وطنية استراتيجية تلبي طموح شعب الجنوب في الاستقلال واستعادة بناء دولته المستقلة)
قراءة في التحولات الراهنة بالمنطقة (رؤية وطنية استراتيجية تلبي طموح شعب الجنوب في الاستقلال واستعادة بناء دولته المستقلة)

يافع نيوز – كتب : د . فضل الربيعي :

يسرنا ان نقدم هذه الرؤية الوطنية للقوى السياسية الجنوبية وصناع القرار للمساهمة في دعم منظومة العمل السياسي الجنوبي وتطويره في بناء رؤية وطنية استراتيجية تلبي طموح شعب الجنوب في الاستقلال واستعادة بناء دولته المستقلة بالاستفادة من كل المعطيات الراهنة .
المقدمــــة :
لقد بات واضحا التوجه نحو استقلال دولة الجنوب، عن الدولة اليمنية الفاشلة التي دخل فيها الجنوب في اشراك وحدة غير مدروسة قبل 25 عام ، تم الانقلاب عليها بالحرب على الجنوب في 1994م ، ومنذ ذلك التاريخ يناضل شعب الجنوب من أجل استقلاله واستعادة دولته .
وجاءت التطورات والتغيرات السياسية الاخيرة في اليمن والمنطقة لتزيد من تفاؤل الجنوبيون بتحقيق أمنية الاستقلال التي قدموا من أجلها تضحيات لاتعد ولا تحصى، فجميع المؤشرات تتجه نحو الاستقلال إذا ما أحسن السياسيون الجنوبيون استغلال التغيرات السياسية التي تشهدها الساحة اليمنية بخاصة والعربية بعامة .
ان الاوضاع المأساوية التي وصل اليها الجنوب بخاصة واليمن بعامة ، قد تمثل ظروفا مناسبة لإعادة صياغة العلاقات التي تسير بالجنوب الى الانتقال بخطوات عمليه يتصرف من خلالها كدولة داخل الدولة وصولا إلى الاستقلال الكامل اذا ما تم الاستيعاب الدقيق لكل الأوضاع الراهنة وما سينتج عنها من تغيير كبير في مجمل العلاقات على المستويات الداخلية والخارجية ، فالحرب الحالية قد أظهرت ملامح التغيير في نمط العلاقات الدولية في المنطقة، وتقدم هذه الرؤية تصورا شاملا عن كيفية الوصول إلى جنوب مستقل آمن عبر إرساء قواعد الدولة القادمة كاطار سياسي واقتصادي مستقل، ومن ثم كيفية السير في اتجاه ان يصبح الجنوب دولة مستقلة تجابه التحديات القادمة التي يثيرها النظام في صنعاء المصرّ على احتلال الجنوب من خلال وقوفه المستمر ضد حق استقلال الجنوب وتقرير مصيره .
وعليه لابد من التوجه العملي نحو تغيير وتطوير علاقات الجنوب الخارجية مع دول الاقليم والعالم ، والتي وفرت الظروف الراهنة مناخا مناسباً في تغير قواعد التعامل مع المجتمع الاقليمي والدولي ودعوتهم إلى إعادة تقييم وجهات نظرهم السائدة حول الجنوب والمصالح الوطنية المشتركة معهم، والتي تتقبل فكرة استقلال الجنوب كحق طبيعي لشعب الجنوب بدلاً من إنكارها واخضاعه إلى وحدة بالقوة كما كانوا عليه في السابق .
ان حجم التحولات المحتملة التي جاءت بها السنوات الأخيرة تكشف لنا عن المزيد من التوجه نحو الاستقلالية للجنوب عن صنعاء، فالتوجه المستقبلي يجب ان يأخذ اليوم المراجعة والتقييم الشامل لتجربة السنوات الماضية من قبل الجنوبيين ان كان في طريقة نضالهم من أجل الاستقلال أو في قراءتهم للتحولات التي شهدها اليمن وعلاقاته مع محيطة الاقليمي والدولي وتغلغل النفوذ الايراني في اليمن والذي عرّض دول الخليج لمخاطر تهدد امن ومصالح المنطقة ، وهو الأمر الذي أدى إلى تدخل دول التحالف العربي في التصدي للمليشيات الانقلابية التي تتبع الحوثي وصالح ومن يقف خلفها .
وبهذا الصدد فقد حققت المقاومة الجنوبية مع التحالف العربي نصراً جزئياً على تلك المليشيات في الجنوب وكسرت المشروع الايراني في المنطقة ، الاّ ان النصر لم يكتمل بسبب تأخر حسم الحرب في الشمال .
ان هذه الرؤية تقوم على أساس استقلال الجنوب تستند على وقائع وأحداث بدأت في التبلور في السنوات الأخيرة، ومن ثم فإن إمكانية استعادة قيام الدولة ( باعتراف من الجميع ) يعد مسار محتمل نتيجة للأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المختلفة التي مر بها اليمن في السابق وسوف يمر بها بعد الحرب الحالية .
كما تعكس هذه الرؤية الوعي بالتحولات والتطورات الراهنة ومآلاتها لتبرز إعادة الدولة القطرية هنا كفاعل ذو قدرة على تغيير بعض الأنماط والتفاعلات والتوازن في العلاقات الدولية في المنطقة بعامة ، من حيث قدرة الجنوب كدولة مستقلة تتحكم بمستقبله بدلاً من أن يصبح أداة في يد الدول الأخرى تستخدمه في تحقيق مصالحها الوطنية ، ويوازي هذا التحول عودة بناء الدولة القطرية في الشمال لمجابهتهما معا المشروع الغربي التفكيكي للدولة الوطنية الحديثة في المنطقة العربية والذي بدأ من ضرب حالة الدولة المستقرة (دولة الجنوب ودولة الشمال ) في مطلع التسعينات ، إلى حالة اللاّ دولة تحت ما يسمى بالوحدة ، وصولا إلى حالة الفوضى والحروب باتجاه السير نحو خلق دويلات متناحرة لم تستقر على المدى المنظور .
لذا فان هذه الرؤية تركز على الطريقة التي من خلالها استشفاف معرفة أثر الدولتين في اليمن على العلاقات الدولية في المنطقة ، بالتركيز على التفاعلات بين سعي الجنوبيون للحصول على استقلالهم عن صنعاء للخروج من فلسفة الحكم التي لا ترى الا بالجنوب مغنما ليس الا ، والخروج عن احتمالات الصراع الأكبر في منطقة الشرق الأوسط بين السنة والشيعة، كما يتضح في الجمود السياسي وسياسة حافة الهاوية في اليمن .
في ظل ازدياد التنافس على النفوذ الاقليمي والدولي في المنطقة كما تكشف عن تغلغل التدخل الايراني الذي جاء لخدمة السياسة الايرانية على حساب دول الجوار.
مدة الخطة المستقبلية لتنفيذ الرؤية :
تعتمد هذه الرؤية على خطة زمنية مكثفة ومحددة مدتها سنتان إلى ثلاث سنوات لتطبيق خطوات الاستقلال الذاتي الاداري للجنوب بعيدا عن الشعارات وحدها ، وتعتمد مبدأ الاعتراف والتعامل مع الواقع ببعديه الاستراتيجي والتكتيكي معاً، من خلال تحليل الأسباب التي أدت إلى هذا الواقع والاستفادة من كل معطياته ومن التجارب السابقة، وبرؤية تحليلية متصلة بالأحداث والتطورات والتحولات التي أصابت المنطقة منذ الوحدة والحرب على الجنوب عام 1994م، والحرب على الإرهاب والربيع العربي وثورة التغيير عام 2001 م ومؤتمر الحوار وما تلاه من تطورات ، وصولا إلى الحرب الاخيرة واسبابها وانعكاساتها وتصاعد موجات المظاهرات الشعبية للحراك الجنوبي في الفترة ما بين 2007 م – 2015م، كل ذلك قد ساعد بروز القضية الجنوبية كقضيه محوريه في اليمن ككل ، بينما عجز النظام وكل القوى السياسة عن إيجاد حلولا لها.
ان النتائج المتوقعة من الحرب الحالية ستكون غير حاسمة ومثيرة للانقسامات المزدوجة في اليمن ، في ظل الانقسام الواضح بين الشمال والجنوب ، كما بينها مسرح عمليات الحرب هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى الانقسام الحاصل في الشمال ذاته بين الحوثي وعفاش كطرف وبين الاصلاح والقوى المتحالفة معه كطرف أخر .
وهذا سيسحب نفسه على مزيد من التوتر في العلاقات بين تلك الاطراف مستقبلا ، لكن اذا ما حصل ما يشبه بقرار الفصل أنه سرعان ما يتعرض لهجمات من قبل القوى المتصارعة شمالا ، ويتم التحالف بينهم كما هو واضح حاليا ضد الجنوب الذي أدى إلى عدم حسم الحرب الحالية في الشمال ، وهي نكاية بالجنوب فتأخير ذلك يندرج ضمن استراتيجية الشمال الهادفة إلى كسب الوقت وإعادة الوفاق بين القوى المتصارعة في الشمال ، بالتوازي مع خلق الفوضى بالجنوب ، ومن ثم التوجه إلى انتاج الشرعية البديلة لهادي بحسب رؤيتهم والعودة لترتيب الاوضاع التي تعيد الجنوب إلى حضيرة صنعاء .
لذا يمكن النظر إلى تواجد قوات التحالف العربي بالجنوب بوصفها القوى التي تساعد على تامين النصر الذي تحقق بالجنوب ومن ثم تمنع عودة المليشيات والتوغل في مناطق جديده ، طالما ان الحرب لم تحسم في الشمال ، وسوف يتم تحقيق الاستقرار الامني في الجنوب من خلال التصدي للعمليات التخريبية التي تقف وراءها تلك القوى ، ومن ثم التوجه نحو إكمال العمليات بالشمال وصولا إلى تحقيق الهدف الذي جاءت من اجله قوات التحالف ، لان قوات التحالف تتحرك بسهولة ويسر في الجنوب ، بينما يتم مهاجمتها بالشمال. كل هذا يساعد على ترسيخ السير نحو خطوات الاستقلال وتحسين العلاقة مع التحالف .
لقد جاء التدخل العربي لدعم الشرعية، لوقف اختراق النفوذ الإيراني في المنطقة فحسب؛ بقدر ما هو يهدف إلى تأمين ممرات النفط والغاز العالمية في البحر الاحمر وخليج عدن . والجنوب يمتلك امكانية تامين ذلك بالتعاون مع دول الجوار مستقبلاً.
لان ايران سوف تنظر للحوثيين والقوى المتحالفة معها كحلفاء طبيعيين لها، ومن خلالهم ممكن فرض السيطرة على اليمن ككل ضمن مشروعها بالمنطقة ، وتنافسها مع دول الخليج وتحديدا السعودية ، وقد اشار الناطق باسم الخارجية الايرانية قبل سنه تقريبا من انهم يتحكمون في اربع عواصم عربية منها صنعاء وهو الامر الذي يؤدي بالضرورة إلى استمرار عدم الاستقرار المنطقة وتبقى ايران سيدة الموقف وفقا لهذه النظرية .
لذا فان استقلال الجنوب يعيد دولته إلى عضويتها الكاملة والنشطة في المجتمع الدولي والذي سوف تكون شريكا مع محيطها الإقليمي والعربي وداعمه للاستقرار، لان صنعاء تدرك جيدا ان الجنوب أرض غير ارضها ومن ثم تجعل منه منطقة تستخدمها لتنفيذ المشاريع التي تخدم اجندات اطراف خارجية تريد الانتقام والتآمر على المنطقة العربية ، وهذا طرح ليس عفوياً ، بل مستمد من الوقائع الفعلية ومن الحقائق والاحداث التي تجري وجرت على أرض الواقع في السنوات الأخيرة الماضية .
كل ذلك لم يمنع الجنوبيون في اصرارهم نحو استقلالهم عن صنعاء الذي يحاولون منع ذلك من خلال تصدير الارهاب إلى الجنوب ، في ظل ضعف اللاعبين السياسيين الجنوبيين وتعدد تكويناتهم دون الوصول إلى انتاج مرجعية واحدة رغم اتفاقهم على هدف الاستقلال .
الخطوات والعوامل الاجرائية لاستقلال الجنوب :
1. لابد من ظهور حامل سياسي لملء الفراغ الإداري والسياسي في كل محافظات الجنوب ، بشكل جبهة أو مجلس وطني انتقالي ، أو أي تسمية يتفق عليها ، يواكب تطورات المرحلة الراهنة ، ويواصل مسيرة الحراك بصورة أكثر احترافية ويعتمد على المقاومة والحراك معا ، ويخلق مقاربة سياسية مع كل القوى الجنوبية التي تحمل توجه الاستقلال .
ويتعامل مع جنوبيين السلطة من الناحية التكتيكية لتقليد ادوارهم المطلوبة حاليا, والتعامل مع الاطراف الخارجية باسم هذا المجلس وهم مضطرين التعامل مع ذلك ، فضلا عن العمل السياسي مع المعارضة في الشمال، وان يستوعبوا نتائج هذه الحرب بوصفها تجربة قربتهم إلى القوى الخارجية ووضعتهم في مكانة بارزة أظهرت أهمية تكوين جبهة موحدة في الجنوب ضد خصومهم في صنعاء واذا ما احكموا سيطرتهم على المناطق الجنوبية المحررة، سيضعهم في مكانة أفضل من السابق ، ويكّون لديهم خبرة في الإدارة العامة للدولة، يقتنع بها الخارج ليدعم فكرة قدرة الجنوب على ادارة دولته القادمة .
2 – الاعتراف الكامل بقضية الجنوب من قبل الكل وقد ورد هذا الاعتراف بعدد من الشهادات والتقارير وقرارات المجتمع الاقليمي والدولي ومؤتمر الحوار خلال الفترة الماضية .
3. اتباع استراتيجية واضحة للسلطات المحلية في الجنوب تركز على الجوانب الامنية والاقتصادية والسياسية ففي الجانب الاقتصادي ممكن التركيز على مجال الاستثمارات الاقتصادية والوظائف الاقتصادية وجذب الرسمال الجنوبي من الخارج للاستثمار في الجنوب مقابل تراجع الاستثمارات الشمالية في الجنوب بعد الحرب الدائرة حاليا ، والتركيز على مجال النفط والغاز والمقاولات ، والذي من شأنه أن يعطي مؤشر القدرة على أن يكون الجنوب دولة مستقلة عن حكومة صنعاء . ويتم وضع ذلك من خلال خطة واضحة تجذب و تشجع الاستثمار المحلي والأجنبي المباشر في الجنوب مع مختلف الدول بما في ذلك الخليج العربي بعيداً عن سيطرة نظام صنعاء والفاسد ين.
4 – تطابق المصالح الوطنية والأمنية للجنوب مع دول الخليج العربي، خصوصاً مع تبلور سياسات واضحة على أسس طائفية للدول السنية في المنطقة العربية.
5. اعداد وتنفيذ برنامج واضح يستهدف تطوير الكفاءات في الجنوب في المجالات التي حرم منها خلال 25 عام ، في مجال الاعلام والعلاقات وفي المجال الامني والعسكري .
وعليه فان إرجاع نجاح الجنوب في الاستقلال لا يستند إلى عامل واحد فقط ، بل إلى جميع العوامل لما لذلك من اهمية في تنمية قدرات الجنوب على حق تقرير المصير، فوضع الجنوب يحتاج إلى الإلمام بالظروف المعقدة التي أثرت على المنطقة العربية ، منذ أوائل التسعينات، بالإضافة إلى فهم الأوضاع الداخلية في اليمن ، ان تفاعل عوامل عدة هنا سوف تساهم في استقلال الجنوب .
6. لابد ان تتحمل القيادات الجنوبية المسؤولية التاريخية وان تستفيد من هذه الفرصة الثمينة بعد تطهير المحافظات الجنوبية وانسحاب المسئولين الشماليين منها ووقفهم إلى جانب مليشيات الحوثي وصالح ضمن مشروعا اقليميا يستهدف امن المنطقة بشكل عام .
7. ان تتولى القيادة الجنوبية السابقة المتواجدة في الخارج دورها في الخروج من دائرة الجمود و كسر حاجز الراتبة والتباعد فيما بينهم والتقارب للعمل بروح المسؤولية الوطنية واستغلال الفرصة التاريخية ليقوموا بدورهم في الخارج من خلال كونهم معارضين للحوثي والمخلوع صالح، هذا سيمكنهم من التعامل مع العواصم العربية الملتزمة بإسقاط هذه المليشيات، وهو ما قد يمكنهم من إنشاء علاقات جديدة كانوا ينتظرونها من السابق وايجاد ممثلين لهم في هذه الدوائر، والاتجاه نحو ارساء تعامل في نشاطهم القادم الذي يختص بموضوع استقلال الجنوب والذي سوف يمكنهم من ادراك اليات النظام الدولي، وأهمية العوامل الاقتصادية والسياسية للعلاقات الدولية. وخلق علاقات مع صانعي القرار السياسي في هذه البلدان والاستفادة منها بدعم استقلال الجنوب.
* إن العوامل اعلاه التي تشرح الخطوات الاجرائية لتحول الجنوب إلى كيان مستقل ، هي عوامل مترابطة تعتمد على بعضها البعض، ويمثل العامل الأول حجر الزاوية في نجاح الجنوبيون في توحيدهم ضمن مرجعية سياسية واحده ، تعبر عن شعب في منطقة محددة جغرافياً ومعروفه دوليا بانها كانت دولة مستقلة ، يمكنها من الدخول في علاقات وطيدة مع الدول الأخرى ,ومن ثم فإن كيان يمتلك كافة المقومات اللازمة الداخلية مثل الشعور الجمعي بهوية الانتماء للجنوب كهوية وطنية تعمل على تماسك المجتمع ، بالإضافة إلى الكفاءة الادارية ، والتقدم الذي أحرزه الحراك الجنوبي والتضحيات التي قدمها شعب الجنوب، فضلاً عن التحالفات الإقليمية التي افرزتها وتفرزها الحرب الدائرة حالياً باليمن ، وأبرزها محور ( الامارات – السعودية – مصر )، وهو ما سوف يساعد على التحول إلى دولة مستقلة ، ولم تحدث مثل هذه التطورات فجأة، ولكن هذا الوضع سوف يسير ويتطور مستقبلاً.
التكتيك في مواجهة الاحتواء:
ان عملية استيعاب حقيقة استعادة وبناء الدولة الجنوبية المستقلة ، تمثل حجز الزاوية في الخطوات العملية المتبعة على ارض الواقع للوصول إلى تحقيق الحق وهي قيمة كبيرة في السياسة الاستراتيجية التي تتعامل مع الواقع باحترافية من ناحيه، وترك الشارع لمواصلة نضاله من ناحية أخرى ، دون خلق التصادم بينهما ، او الالتفات إلى مؤثراتهما. وهنا نلاحظ ان الشرعية قد تستمر في محاولة فرضها لمشروع الاقاليم السته ، وقد تتجه الشرعية إلى خطوة الاستفتاء على الدستور الذي كان قد تم اعداده ، قبل الحرب الاخيرة ، في فترة التجاهل الكامل لقضية الجنوب ، من هنا نرى ان الوضع الذي وصل إليه الجنوب من خلال احراز مقاومته تحقيق النصر مع التحالف العربي على مليشيات الحوثي وصالح ، وعليه لابد من الاستفادة من إعادة صياغة الدستور القادم اذا ما اتجهت الشرعية إلى ذلك ، فمن حق الجنوبيين المطالبة في اشراكهم في إعادة صياغه الدستور وفقاً لما يضمن تحقيق المصالح الجنوبية في مواد تضمن لهم تقرير مصيرهم ، بدلاً من أن يخضع الجنوبيون لدستور فرض عليهم واعد قبل الحرب ، فهم اليوم في وضع اخر صاروا قوة موازية على الارض ان لم يكونوا هما المتفوقون .
فالدستور المزمع لابد ان يعترف رسمياً بقضية الجنوب وان يضمن حق الجنوبيين في تقرير مصيرهم دون أي شروط، لان مسودة الدستور السابقة تم كتابتها وفقاً لرغبات الطرف الشمالي وبهذا الصدد يجب الاستفادة القصوى من مخرجات الحوار التي نصت على اعطاء الجنوب المناصفة في الوظائف والتعويضات وغيرها من المزايا الذي يجب ان تدرس ويتم اعداد خطة للتعامل معها والاستفادة منها .
تحقيق الاستقلال الاقتصادي :
العمل على وضع خطة عملية لضرورة تأمين مصادر مالية مستقلة للجنوب تضمن استقلاله فعلياً عن الشمال، فالتفكير في ادارة الاقتصاد الجنوبي من قبل الجنوبين انفسهم مسألة مهمة جدا ، لذا فإنهم بحاجة إلى ايجاد آلية واضحة يتم بموجبها تحويل الإيرادات من المركز ، أو أن يكون لديهم القدرة على توليد دخل مستقل ، وهذه الآلية يتم ترجمتها من خلال طريقة إدارة القطاع النفطي والتجاري في الجنوب وتحريره من الرسمال الشمالي ، لهذا من الاهمية بمكان ان تسند مهمة حراسة الشركات النفطية الاجنبية لقوة جنوبية بالاستفادة من المقاومة الجنوبية القادرة على تنفيذ هذه المهمة .
أن المصالح الاستراتيجية للجنوب تتقارب مع مصالح أمن الطاقة والمصالح الاقتصادية للخليج والشركات الاجنبية . فالمشروع الوطني للدولة لم يأتي من فراغ أو خيال ولكنه أصبح ضرورة أكثر من أي وقت مضى، تدعمه الروح الطموحة لدى الجنوبيون مقابل تكتل القوى المختلفة في الشمال ضد الجنوب واكبر دليل هو ما ذهب اليه المحلل والخبير الاستراتيجي الكويتي د. فهد الشليمي في احد حلقاته التلفزيونية عندما تسال عن الجيش الوطني في الشمال بانه يقاتل مع المقاومة ضد الحوثي وصالح ، بينما في الجنوب يقاتل مع مليشيات الحوثي ضد الجنوبيين !!
استراتيجية نجاح الدولة المستقلة كعامل استقرار للمنطقة :
أن بناء ونجاح وتطوير أركان الدولة سواء في الشمال او الجنوب يعد كعامل محفز لما يسمى خلق الاستقرار بالمنطقة ، لان عودة الامور إلى ما قبل الحرب باتت غير منطقية فما خلفته الحرب بين الشعبين من عداء يفوق تلك العداوة التي عرفت بين شعوب ودول عدة بالعالم.
وتجاه ذلك نعتقد ان ردود الفعل من قبل دول الجوار قد تغير وازيل القلق الذي لا يزال موجود في بعض الدوائر الخارجية بشأن ظهور عودة الدولة الجنوبية ، فالمشروع الايراني في المنطقة الذي بداء من اليمن وكُسر في الجنوب في ظل تخاذل الشمال ، ربما قد يقرب الكثير من المعارضين السابقين لاستقلال الجنوب .
كما أن هناك سوابق في حق الشعوب في تقرير مصيرها، وهناك حالات مماثلة جرت خلال الفترة القصيرة الماضية مثل استقلال كوسوفا، فعندما تم إعلان استقلال كوسوفا، تم تحديه من قبل بلجراد، غير أن كوسوفا أعلنت استقلالها في يونيو 1991، وقد حاول الصرب منع استقلالها، غير أن التحالفات الدولية مكنت كوسوفا من الحصول على استقلالها في الفترة من 1995 فصاعداً، حتى استطاعت أن تعلن استقلالها الرسمي في فبراير 2008، والسؤال هل ستساعد التحالفات الدولية الجنوب على إعلان استقلاله كما حدث في كوسوفا، او جنوب السوان مع الفارق الكبير في احقية الجنوب بالاستقلال نظرا لعوامل حضارية وتاريخية وسياسية عدة .
ولذلك ليس من المبالغة الحديث عن مستقبل الدولة في الجنوب التي سوف تعيد التوازن في المنطقة. فان تطابق المصلحة الاقتصادية والجيوسياسية بين الجنوب والخارج ، هو ما سوف يساعد على الاستقلال .
يمكن القول أن تضافر عوامل مثل التماسك الداخلي وزيادة الشعور بالانتماء للجنوب كهوية ، وضعف الدولة في صنعاء ان تحقيق قدر اكبر من وحدة الصف الجنوبي وصياغة استراتيجية سياسة تمليها اجندة سياسية واضحة، تعبر عن مصالح الجنوب الوطنية، ينبغي ان تشكل المحور الذي تدور عليه علاقات الجنوبيون على المستويين الداخلي والخارجي .
ان مطالب الجنوبيين السياسية في حق تقرير مصيرهم ، سواء كان ذلك في شكل الحكم الفدرالي أو استقلالها الكامل على ارضه المحددة (بدولة الجنوب) الواضحة في حدودها الدولية إلى يوم 22 مايو 1990م . كانت دوما الهدف الرئيس لكل السياسات لدى القوى والتكتلات السياسية الجنوبية وفي مقدمتها قوى الحراك الجنوبي طوال السنوات الماضية . واصبح من الممكن الحديث عن استقلال الجنوب بحكم الواقع ؟ وهذا لا يعني باي حال من الاحوال ان استعادة الدولة الجنوبية امر محال.
وان تعزيز الاستقرار السياسي في الجنوب وتفاعله مع الدول الفاعلة في المستوى الاقليمي والعالمي، كل ذلك يؤكد وضعه ككيان ، ليتصرف بمزيد من الاستقلال مع الايام القادمة .
حتى وان كانت ظروف هذه المرحلة ليست مناسبة لإعلان الدولة ، وهذا ليس فقط بسبب الحرب والاضطراب السياسي في المنطقة حاليا، الا ان الجهات الفاعلة قد تضطر لتقديم تنازلات في المستقبل القريب، في ما يتعلق بـ (القضية الجنوبية)، من اجل الوصول الى وضع اكثر استقرارا فان ذلك يتطلب، ضمان الدعم الخارجي وتحقيق وحدة أكبر بين الجنوبيين في إطار الوحدة السياسية والظهور بمظهر الطرف الواحد في التعامل السياسي بما يخص قضية الجنوب. تماشيا مع الدعوات المطالبة بالاستقلال وعنفوان الشارع الجنوب الموحد بالهدف .
فالاستقرار السياسي الداخلي هو حجر الأساس الذي تقوم عليه الدولة المستقلة، كما يمثل الترابط والتماسك الوثيق بين المكونات والاحزاب ركيزة اساسية وعامل حاسم في تحقيق الاستقلال, وهذه الحقيقة التي تستند عليها البيئة السياسية الدولية عند الاعتراف بدولة جديدة.
وعليه لابد من المراجعة الكاملة للهيكل السياسي في الجنوب بهدف تقديم وجهة نظر للتطورات السياسية والإقليمية في الجنوب، مع الاخذ بعين الاعتبار العلاقات الداخلية في الأحزاب السياسية والفصائل المختلفة والتحديات السياسة امامهم من خلال الاتي :
اولا : لابد من تحليل مسار العلاقات مع دول الاقليم والشمال في الوقت الراهن والمستقبل.
ثأنياً: الأسباب الجغرافية والسياسية والاقتصادية ، حيث يمثل الجنوب ساحة لسياسة ومصالح القوى الرئيسية في الاقليم والعالم ، ولذلك يعتمد مصيره على العلاقات مع دول الخارج .
ثالثاً : لابد من اتباع مسار ديمقراطي حقيقي ينسق ادارة شؤون الحياة في الجنوب ويحقق الاستقرار الامني والسياسي الداخلي فذلك يمكنه من الحصول على الاعتراف الدولي بالإستقلال , مما يمكنها ان تكون دولة عضو في هيئة الأمم المتحدة. أما اذا لم يتم تحقيق ذلك، فلا يمكن ان يتحمس الخارج مع الجنوب في تحقيق الاستقلال.
ان مستقبل الاستقرار السياسي الداخلي والخارجي، لابد من السير فيه عبر الممارسة العملية. وابعاد خطر التيارات الاصولية والارهاب، لما لذلك من تأثير ايجابي على الاستقرار بالجنوب واليمن بخاصة وفي الاقليم بعامة خصوصا ان تجربة السنوات السابقة في محاولة نظام صنعاء لإيجاد موطئ للإرهاب في الجنوب شكل مصدر قلق لدول الخارج ، فاذا ما تم مجابهة ذلك خلال الفترة القادمة فذلك سيغير نظرة المجتمع الدولي للاعتراف بدولة الجنوب.
الخاتمـــــــــــــــــة :
لقد صمد شعب الجنوب كثيرا في وجه الاضطهاد والمعاناة والظلم، على تلك الأرض المحروقة التي حملت ركام وحطام الأبرياء، خلال السنوات الماضية ، وعانوا كثيرا من الويلات من خلال حربيين شنت على الجنوب بتبريرات مختلف والهدف واحد هو اذلال هذا الشعب وتدمير كل مقدراته وتهجير اهله ، وجعلهم مواطنيين ما دون الدرجة الثانية معتقدين أنهم بذلك سوف يقضون على الجنوبيون واحتلال ارضهم إلى الأبد، ولم يعرفوا أن الجنوبيون كطائر الفينيق الأسطوري الذي ينهض من رماده في كل مرة يحترق فيها، فهم ينهضون في كل مرة ويتحدون الواقع وصعوباته، لأنّ لديهم حلماً، وحكايتهم طويلة لا يمكن فهم حاضرها ومستقبلها إلا بفهم ماضيها وذاكرتها مع نظام صنعاء وخديعة الوحدة والحرب .
ويعد الاستقلال هدف مشروع للشعب الجنوبي باعتباره شعب عريق ويعيش على أرضه، وتعرض لصنوف القهر التي وصلت إلى شن حربين ابادة شاملة عليه في 1994م و2015م خلال فترة العشرين العام الماضية .
ان الاصرار الكامل من قبل الشعب الجنوبي على التحرير والاستقلال هو العامل الأساسي أمام عدم اعترافها للحق الجنوبي بكيان مستقل.
ان الاستقلال واستعادة الدولة حق طبيعي للشعب الجنوبي وفق مبدأ حق تقرير المصير المقر دوليا، وقد ادركت القيادات السياسية الجنوبية بان الحل الوحيد والحقيقي هو بناء دولة الجنوب على كل أراضيه ، الا ان هذا الادراك مع الاسفل لم يؤهلها إلى انتاج رؤية وحامل سياسي للقضية، من هنا جاءت هذه المحاولة الذي نضعها بين ايدي صناع القرار.
د. فضل الربيعي
رئيس مركز مدار للدراسات ..
استاذ علم الاجتماع المشارك
رئيس قسم الاجتماع كلية التربية _ عدن

شاركـنـا !

أترك تعليق
فيسبوك

Social Widgets powered by AB-WebLog.com.