أخر تحديث : 11/12/2016 - 12:56 توقيت مكة - 15:56 توقيت غرينتش
القائمة الرئيسية
إعلان
الحلقة الثانية : كيف جاءت فكرة هذا الكتاب (عمران الفدائي والانسان)
  • منذ سنة واحدة
  • 11:48 م

قوة الحفيد في التأثير:

في عطلة نهاية كل أسبوع جرت العادة أن يجتمع كل أفراد عائلتي في منزلي، في ضواحي مدينة روتشستر نيويورك، ففي ذلك التجمع نشعر وكأننا نلتقط الأنفاس بعد أيام من العمل المُضني أو الدراسة.. وفيه تسود الفرحة أكثر بوجود الوالد صالح والوالدة بيننا، فنتجاذب أطراف الحديث والذكريات، التي لا تخلو عادةً من الشوق والحنين للأرض والتاريخ والانسان.. نستمتع جميعاً بقصص وذكريات الوالد الكثيرة، المفيدة واللطيفة، سواء التي جرت له أو كان شاهداً عليها. لكنة كان يتجنب في لقاءاتنا تلك الخوض في الأحداث المأساوية والمؤلمة التي عاش أحداثها ونتائجها.

بيد أن ما ميز عطلة الأسبوع الثالث من شهر ديسمبر 2010م هو التساقط الكثيف للثلوج فاكتست الأرض وسطوح المنازل والأشجار بحلة بيضاء لها جمالها ورونقها الخاص والمميز، لكن ما يعكر صفو التمتع بجمال طبيعة شتاء ولاية نيويورك هو بردها القارس، فيلجأ البشر للاستمتاع بدفء البيوت، وما يزيد ذلك دفئاً ومُتعةً هو تجمع كل افراد العائلة. اكتمل اللقاء العائلي بعودة ابنائي عمران وعمار من كلياتهما، وبشائر الفرح تشع في وجوههما. كان أول ما عملوه تقبيلهما رأس جَدّهما صالح.. قدّما له بعدها قهوة البُن (المخا) التي تتميز في تحضيرها مقاهي الاستاربوكس الامريكية وقطع من البسكويت الذي يحب ان يتناوله مع القهوة.

سألتهما ممازحاً لماذا هذا التمييز بين الجَدّ والأب؟ أليس من الواجب عليكما ان تحضرا لي القهوة فأنا الآخر أحبها لأنها يمنية الأصل، لكن بالنكهة الامريكية؟!. قالا لي بذات الأسلوب: عندما تكون سبباً في ان نحصل على الدرجة الكاملة في أي من المواد الدراسية، عندها سنحتفي بك هكذا. لم افهم قصدهما، فسألتهما عن أي درجة كاملة تتحدثان، وكيف استطاع الجد أن يساعدكما؟.

انبرى عمران متحدثا باسمه واسم أخيه قائلا: أنت تعرف أنه إلى جانب دراسة المواد العلمية التي تكون الأساس لشروط دخول كلية الطب البشري أن علينا، لشمولية المنهج، أن نختار بعض مواد علوم السياسية والاقتصاد والتاريخ واللغة وتقديم امتحانات دورية بعد كل فصل تتوج بامتحان نهائي. لكن ما يزيد بعضها تعقيداً أن عليك ان تلقي محاضرة في قاعة جُهّزت لهذا الغرض تقدم خلالها نتائج بحث تتوخى فيه الدقة في اختيار المراجع الموثوق فيها، ولقد اخترنا ان يكون بحثنا في مادة التاريخ عن دور الجبهة القومية لتحرير الجنوب العربي. عاد عمران بعدها ليخاطب الوالد صالح بقوله: أتدري لقد حصل كل منا على الدرجة الكاملة لأنك كنت قد أثريت البحث بتفاصيل دقيقة لم تشر إليها المراجع التاريخية التي كُتبت بالإنجليزية أو تُرجمت إليها، مثل طقوس تأدية قسم الانضمام إلى صفوف الجبهة القومية، والسِّر من وراء تكوين خلايا سرية مصغرة لا تعرف أي خلية عن الأخرى شيئاً، وكيفية تنفيذ العمليات الفدائية بتخطيط بالغ الدقة لتحقيق الهدف بأقل الخسائر .

لقد انبهر الجميع عندما حدثتهم عن أساليب التكريم الشكلي لمن ينجح في تنفيذ العملية الفدائية، وكيف كان الفدائي يُكرّم بوجبة طعام في مطعم البحر الاحمر في عدن أو على كوب من شراب الليمون البارد في أحدى مشارب الشيخ عثمان، بل ويتم تحديد التكريم بناءً على درجة خطورة وأهمية العملية المنفذة .

لقد أدهشت تلك التفاصيل الطلاب والأكثر من ذلك البروفيسور المشرف على المادة، الذي سألني عن كيفية حصولي على المصادر التي اعتمدت عليها في محاضرتي. وكان من أظرف الأسئلة سؤال أحد الطلاب قال فيه: إن الفضول يكاد يقتلني حتى أعرف سر اختيارك لبحث عن تجربة تحررية لا تمت لتاريخنا التحرري الامريكي بأي صلة، بل جرت أحداثها في أرض تفصلها عنا المحيطات وآلاف الأميال؟. فجأة صمت عمران هنيّة كأنما يحاول ان يختبر رغبة وحماسة جده في سماع بقية النقاش. وبحماس وبشيء من التلقائية كسر الأب صالح صمت عمران متسائلاً: قل لي أيش كان ردك عليه؟. غمر السرور عمران لرغبة الوالد في ان يسمع منه المزيد، وفرحت أنا كثيراً لأن في ذلك تهيئة للوالد في ان يفكر جدياً في تدوين تاريخه .

قال عمران أن ردّه كان على النحو التالي: صحيح جداً بأن محيطات وبحار وأرض يابسه تفصلنا عن تلك البقعة من الأرض، لكن على الرغم من ذلك ومن الفارق الزمني بين الحركتين، إلاّ أن هناك ثمة تشابه بين التجربتين، فالمستعمر للبلدين كان واحداً، وكلا الحركتين اتفقتا في الأهداف التحريرية الواحدة وتحقيق السيادة على الارض. أما اختياري لتلك التجربة دون غيرها فلسبب خاص لا يعرفُه الكثيرون منكم، فرغم أنني أحمل الجنسية الامريكية، الاّ ان مسقط راسي كان مدينة عدن، تلك المدينة التي كانت تمثل المستعمرة البريطانية الأهم في الشرق الأوسط، و كانت مسرحاً لملاحم بطولية سطرها ابناء الجنوب العربي بدمائهم بقيادة الجبهة القومية وجبهة التحرير. لكن هناك ما هو أشد خصوصية من كل هذا، هو أن واحداً من العناصر الفدائية البارزة هو الجَدّ صالح الذي اعتز، ما حييت، بأنني أحمل اسمه الحركي “عمران”، ولهذا أن يكون في عائلتك أحد من صنعوا هذا التاريخ الذي يشرفك ويشرف وطنك ولم تفتخر به فهذا عَيبٌ مشين، يدل على أنك لست في مستوى ذلك الشرف .

كان عمران يسرد لنا تفاصيل محاضرته بحماس منقطع النظير، فيما الأب صالح يحتسي قهوته وعيناه مسمرتان على الابن عمران، يصيخ له السمع ويتابع حديثه بشغف واضح. ثم واصل عمران حديثه بالقول: لقد حاولت أن أختتم محاضرتي عن تأثير زيارتي الأخيرة للوطن الأُم في تعميق مشاعر الفخر بالانتماء لأرض آبائي واجدادي، والحب إلى درجة الولع في البحث عن التاريخ والهوية، وهذا السبب الاخير كان الأهم في اختياري لموضوع تلك المحاضرة. لكن الاستاذ المشرف اعتذر لي بأدب عن الاسترسال في محاضرتي التي وصفها بالممتعة، لكونني قد تجاوزت الزمن المحدد لي بعشر دقائق، وطلب مني أن أقابلة في مكتبه .

وفي مكتبه اخبرني بأهمية توثيق مثل تلك الأحداث بتفاصيلها الدقيقة، ثم سألني هل ألَّف جدك أي كتاب عن تاريخ الجبهة القومية؟. كان سؤاله محرجاً لي. لكنني أجبته بأن جَدّي يفكر الآن في كتابة مذكرات حياته ووعدته بانني سأقوم بترجمتها إلى الانجليزية. ثم قال لي: أتدري أنك محظوظ في أن يكون المصدر الذي تعتمد علية في التفاصيل الدقيقة مشاركاً وشاهداً على ذلك التاريخ، لكن من الناحية الاكاديمية لا تعتمد الاّ المصادر الموثقة، بيد أن أدائك واعتزازك بأصلك وتاريخك وتقديمك لبحث جديد، كل ذلك قد مكنك من الحصول على الدرجة الكاملة. وسألني أيضاً عن زيارتي للوطن وما علاقتها بموضوع المحاضرة. أخبرته عن كيف أذهلني تزاحم الناس في استقبالنا، والترحيب بنا وإكرام ضيافتنا في مدن عديدة، بل في مناطق لم نعرف نحن أهلها من قبل، وكيف حرصوا على استقبالنا في المناطق الريفية التي عمل فيها الجد صالح بإطلاق الألعاب النارية واحيانا بالرصاص الحي، حيث تسمح قوانين المنطقة بذلك. كنت أتساءل لماذا كل هذا؟ لكن سرعان ما قرأت الإجابة في عيون الناس، وفي تصرفاتهم. فقد كانوا يتحدثون بشيء من الفخر والاعتزاز بعلاقتهم بالجد صالح. كنت أسمع منهم في غيابه عن مواقفه الإنسانية، وشجاعته وثبات مواقفه، وكان من أجمل وأبلغ ما سمعته من وصف لجدي، ما تحدث به أحد المسئولين أمام تجمع من الناس في المحافظة التي كان يعمل فيها حينما قال:” لقد سقطت أنظمة وسقطت رموزها، وعلى أنقاضها نشأت أخرى ثم أخرى، وبقي هذا الانسان والرمز واقفاً رافع الرأس شامخا بأعماله الفاضلة وصدق تعامله وثبات مبادئه، لقد حمى رفاقه ووظف سلطته وتأثيره لحماية الناس من التطرف المفرط في تنفيذ القانون، واعترف له العدو بأنه رجل المواجهة، لا الغدر ، عشق الأرض وأحبه الناس وسمى على كل أشكال التآمر، وزهد بالمال وبالسلطة ودافع عن وطنه وأهله، وبسبب كل هذا احترمه العدو والصديق فباركه الله وجنبه اشرار البشر، وهذا هو سر بقاء هذا الانسان حياً معززاً ومكرماً. وعندما سمعت ذلك الوصف تذكرت كلاماً سمعته وأنا صغير لكني حينها لم أفهمه عندما كان جدي يقول لوالدي: أعترف بأنني لم أورِّث لكم المال، لكن السمعة الطيبة والتاريخ المشرف وستجدونهما يوماً أفضل من المال .

اختتمت حديثي مع أستاذي بالقول: إن بلداً كأمريكا ذات حضارة ورقي وتمتلك كل وسائل التكنولوجيا العصرية يكون التوثيق فيها أسهل ويشمل كل شيء ، ولهذا تجد كتب التاريخ تتزاحم بمآثر وأخبار المساهمين في صناعة التاريخ، أمّا هناك في الشرق حيث يسود الجهل والأمية وتنعدم ابسط قواعد الديمقراطية، وحيث التآمر يجعل من المنتصر الصانع الوحيد للتاريخ ، وهو من ينفرد بكتابة تاريخه المزيف، وليس تاريخ الأبطال الحقيقين صُناع الحياة والتاريخ، ولهذا إذا أردت أن تفتش هناك عن رجال التاريخ الحقيقين عليك ان تبحث عنهم في قلوب وعقول البشر فهي بحق أصدق المراجع وأنظفها. ولا شك أن زيارتي لمسقط راسي كشفت لي الكثير من خفايا وأسرار تاريخ جدي الذي افتخر به وأحب أن أقرأه واستوعبه واتمثله. ودعني استاذي قائلاً :لا تنسى ما وعدتني به فأنا الآخر أريد أن أقرأ عن هذا الانسان .

فجأة التفت الأب صالح باتجاهي وخاطبني بلهجة فيها نبرة الأمر قائلاً: احضر أوراقك وقلمك، فإن قدري أن أعيش انتصارات الحياة وانكساراتها، افراحها واحزانها مرتين. لقد حفزني كل ما سمعت أن أروي الوقائع والأحداث التاريخية التي عشتها وشاركت فيها خدمة للأجيال ووفاء للشهداء وانتصارا للأمانة التاريخية، وكل ما أرجوه أن يعذرني البشر إذا لم تسعفني الذاكرة في توثيق جميع أسماء كل من شاركني محطات حياتي الكثيرة والمتنوعة .

يتبع في الحلقة الثالثة ..

شاركـنـا !

أترك تعليق
ابحث في الموقع
حالة الطقس في عدن
صفحتنا علي فيسبوك
إعلان

Social Widgets powered by AB-WebLog.com.